ikhlassnet
زيزي الزائر / عزيزتي الزائرة يرجي التكرم بتسجبل الدخول اذا كنت عضو معنا او التسجيل ان لم تكن عضو وترغب في الانضمام الي اسرة منتدي إخلاص نت سنتشرف بتسجيلك
وشكرا
ادارة المنتدى

ikhlassnet

منتدى إخلاص نت، مواضيع شيقة،مفيدة؛ تشمل كل الاشياء
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 شهداء وعاشق في بلاد الشام............................................

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ikhlass
Admin
avatar

عدد المساهمات : 391
السٌّمعَة : 5
تاريخ التسجيل : 06/09/2009
العمر : 25
الموقع : www.ikhlassnet.ibda3.org

مُساهمةموضوع: شهداء وعاشق في بلاد الشام............................................   السبت سبتمبر 26, 2009 1:43 pm

تفرج قدري على أنواع الورد التي زرعها في حديقة البلدية. أتى ببعضها من دمشق، وببعضها من بيروت. هذه الوردة السوداء هدية الألمان. وهذه ذات الخدود الوردية من بيروت. وتلك الصفراء قلمت لتكون كشجيرة. وهناك البيضاء والحمراء. هذه ذات عطر وتلك ذات شكل. من هذه المقاعد يستمتع الجالس بها. نعم، أزهو بأن معاش البستاني عندي ثماني ليرات! والقائمقام يأخذ 12 ليرة! من موارد الحمامات اشترى قدري موتور كهرباء من الألمان لطبرية، فأضاءها من الخامسة حتى منتصف الليل. مدّ أنابيب الماء من النبع إلى الحنفيات. إحداها قرب بابه يسميها الناس نبع قدري. يعترف بأن حارة اليهود وسخة. رأى وهو في طريقه إلى البحرة امرأة ترمي وسخ ابنها في الطريق. لكن هل يستطيع أن يكون حارسا على بيوت طبرية كلها؟!

لماذا يستعيد قدري حياته؟ ليشعر بالرضا؟ على بعد نصف ساعة قرية المجدل. مشى إليها مستمتعا بالطريق. هذه السعادة لاتباع! لذلك رفض أن يبيع بيته وبستانه بعشرة آلاف ليرة للبرادعي. يعرف أن البرادعي إنكليزي قد يبيعها لليهود؟ ولأن البيت الذي رتبه والبستان الذي زرعه لا يباع! فكر في البرادعي. ربته أمه في بيت أهلها. أهلها مكّارة ينقلون الناس على الحمير بين طبرية المنخفضة وصفد المرتفعة. يتنقل الأكابر بالسيارة، والرجال بالخيل، وخلق الله على الحمير. يربط المكّار الرجل المسنّ أو الطفل بالشّملة أو الشرشف إلى الحمار، وعلى بركة الله! اولئك أهل البرادعي. لكنه لم يصبح مكارا. زار المبشرون بيوت الأغنياء فدونهم لايمكن أن يقيموا علاقات بالبلد. وزاروا بيوت الفقراء فكسبوا بعضها بالهدايا والمساعدة. مس فورد مبشرة في طبرية مثل مس نيوتون في حيفا. رأت مس فورد البرادعي الفقير، كسته وعلمته في المدرسة، ثم أرسلته إلى السلطاني في بيروت مقابل الباشورة. وعندما ضربه أحد الأولاد نقلته إلى مدرسة أخرى. ثم درس الحقوق في بيروت. وهاهو أفندي يعرض أن يشتري بيتي وبستاني! كبرت غرسة المبشرين الإنكليز!‏

لكن للتفكير في ما سيؤرقه وقت! وهل رغبة البرادعي في شراء بيته وبستانه بعيدة عن رغبة الصهيونيين في الأراضي؟! لكن قدري من هواة السعادة الموهوبين بالانتباه إلى ما في اليد! فلينصرف في هذه البرهة إلى شعوره بأنه وسيم، ذو مركز، ذو مال، تحبه النساء! ينتبه قدري إلى الكأس التي يشربها، والطريق الذي يمشيه، والشجرة التي يراها، والزهرة التي يشمها، وإلى شامة المرأة التي يحبها أو رقة بشرتها، أو نعومة شعرها. ويستمتع بذلك مرة أخرى بمزاج رائق عندما يتذكره. يستطيع أن يقول إن طعم الزعتر يبقى في فمه زمنا، وأنه يستحضر نكهة كأس الليمون. لذلك يقدّر كم تفقد فاطمة من الحياة وهي تتأمل حزنها.‏

اسمعي يا فاطمة هذه الحكاية التي أتيت بها من حيفا: أولاد ضيفة صيادون يخرجون بالفلوكة كل يوم إلى رزقهم. سمعوا أمهم ذات صباح تدعو الله "السماء تمطر لكم، والأرض تنبع لكم"! قصدت لهم الخير! لكن السماء سكبت المطر في ذلك اليوم، وبدا البحر كالنبع فكادوا يغرقون. لاموها: استجاب الله دعاءك! غيّريه يامّا! غيّرته فقالت: "إلهي، تكونوا ماشين يكفت عليكم"! ظل المطر يهطل. فرجوها أن تسكت! شكتهم لي: منعوني من الدعاء لهم!‏

ابتسمت فاطمة لأن قدري يحاول أن يبعدها عن حزنها. ينتبه الناس إلى مرض الجسم! والروح؟ روحي مريضة يا قدري لكني لا أستطيع أن أشكو. أنا أسيرة فاطمة التي عرفتموها. لا أملك أن أفجعكم بها! وليتني أتحرر منها لأبكي مثل أية امرأة أخرى!‏

قبلت فاطمة دعوة عباس أفندي إلى الغداء. ستحاول أن تكون ظل المرأة التي استقبلته في حيفا، ومدت له الغطاء المطرز على طاولة قوائمها ملبّسة بالفضة! يتخفى عباس أفندي بالليل ليساعد الفقراء. ولا يفوت زيارة الوجهاء إذا مرضوا أو زوجوا أولادهم، ويحضر مناسبات الحداد. بنى لنفسه ضريحا في الكرمل يعرف أنه سيصبح مزارا للبهائيين في العالم، مثل قبر أبيه في عكا. لكن فاطمة لا تريد أن تفكر في أنه يتوهم نفسه المسيح العائد. ولا في أنه يفتح، بوحدة الأديان، بوابة المسيحيين والمسلمين لليهود.‏

سافرت فاطمة مع قدري وسعيد إلى عكا، ودخلت بيته الذي يسميه الناس بيت العجم. جلست إلى طاولة الطعام. في أي زمن كانت تنشر على السهرة الأحاديث وتستمتع بها؟! تنتظر الآن أن تنتهي من الطعام منذ بدأ! وتنتظر العودة منذ دخلت! تريد أن تنجز واجبا فتفرح قدري وسعيدا، وتشعر عباس أفندي بأنها غير مهزومة!‏

حول الطاولة نساء ورجال بهائيون. نساء أحببنها ورجال عرفتهم. من النساء زهية العجم ذات العينين السوداوين سوادا لا نعرفه في بلادنا. تفوح منها العطور ويبرق عليها عقد فارسي. الصحون على الطاولة مقابل الكراسي. الشوكات والسكاكين من الفضة. يضيق سعيد بجوعه. ها قد بدأنا! ارتفعت الشوكات عندما رفع عباس أفندي شوكته. ونزلت عندما أنزلها. لكن سعيدا نجح في أن يتناول لقيمات في المرة التي تناول فيها عباس أفندي واحدة. هل تبتسم فاطمة أم تخجل به! سيضيف عباس أفندي هذا إلى ما يلوم سعيدا عليه! أينسى سعيد أن عباس أفندي لامه عندما خرج إليه بالبيجاما في حيفا مع أنه كان بعد صغيرا: هل بيننا كلفة مرفوعة؟ هل أنا في عمرك؟ لا يخرج الولد المهذب من غرفته بالبيجاما حتى أمام أمه وأبيه! كبر سعيد ويستطيع أن يضبط اليوم نفسه بالأصول. لكنه يقصد أن يداعب هيبة عباس أفندي. منذ أيام قال لفاطمة بعد عودته من بيروت مع صدقي الطبري: تغطي البهائية الصهيونية! لذلك شجع السلطان عبد الحميد الشاذلية مقابلها!‏

لكن فاطمة لا تريد أن تفكر في ذلك الآن! فعباس أفندي ليس هذا الحاضر مقابلها! حوله أطياف يوسف الذي كان يستقبله بلباقة ويقابل هداياه بأخرى. ويفهم العلاقات التي يريدها عباس أفندي فيقبلها لكنه لا يتورط في أهدافها. ويحدث فاطمة عن البهائية التي تمتد في العالم كدين آخر. يطرق عباس أفندي الباب على المحتاج فإذا سأل: من؟ رد: عبد الله! وقدم له مالا: هذا من فضل الله! أثمر في الناس ماله وحديثه. وربما هيأته، جبته البيضاء وذقنه.‏

تذكرت فاطمة طقم السفرة الذي أهداه لها ذات يوم، وأعجبها أن صحونه في شكل سمكة. للفقراء المساعدة، وللوجهاء الهدايا. لكن أين ذلك يا فاطمة؟ أتقول كالعاجز لا أمان للدنيا، هي التي رفضت من كبريائها الشكوى، وقالت لا تثقلوا على السماء بهموم الأرض؟‏

تختلف أفكار السعيد عن أفكار الشقي يا فاطمة! لا يقبل كبرياؤك أن تعيشي في بيت ليس بيتك، ولو ضيفة مدللة. ويبدو لك أن الموت لا يقدّر بنهاية الحياة فقط، بل بنهاية مسار لا يستطيع الإنسان أن يزيد فيه. فيظن أن حياته أصبحت استمرارا مملا ومخجلا!‏

قال لها قدري في الطريق: تتمنى المرأة أن يكبر أولادها كي تصبح حرة. سافري إلى الشام! ارمي الهم يا فاطمة واستمتعي بحريتك! حريتها مم وممن؟ ماذا يفعل بالحرية إنسان عار ضيع حتى ما يذكره بحياته الماضية، وليس له مشروع لحياة قادمة؟ لا تستطيع أن تعمّر بيتا جديدا وتشيّد أسرة! وليست ممن يقبل أن يبقى زائرا! نعم، ينقصها المشروع! وليست بها رغبة كي تجده! كبر الأولاد وسعاد لم تعد صغيرة. لا تريد أن تفكر بمسؤوليتها عنها، أو عن آخرين! تتمنى أن تهرب من فاطمة التي يأسرها بها من عرفها! فاطمة الجميلة المتزنة والسعيدة! لكنها لا تجسر على الهرب. استسلمت للكآبة فجلست صامتة قرب النافذة تتأمل بحيرة طبرية. هل يتبين قدري كآبتها، أم وفقت في أن تستر بالصمت موتها الهادئ؟‏

قدم لها قدري فنجان قهوة المساء: سافري يا فاطمة إلى الشام! ستفرح بك نفيسة وخالد آغا! حمت نفسها من قلقه عليها: سنفكر في ذلك يا قدري! لو تستطيع أن تقول له إننا حتى عندما نضيق بأولادنا وواجباتنا، نؤكد بذلك الضيق أن الحياة تفيض علينا بأكثر مما نستوعبه! لكني دون ذلك! دون واجبات نحو الأولاد والأصحاب. برّدت علاقاتي بالناس. وهل ذلك غير قطع العلاقة بالحياة؟ يكتمل زمن بعض الناس بالسعادة، ويكتمل لبعضهم بالموت. زمني اكتمل. بقي أن ينهيه حدث، لأنه لا يليق بفاطمة أن تنهيه بنفسها! فالمسؤولية الوحيدة الباقية هي مسؤوليتي عن فاطمة التي تحبون أن تتذكروها! يجب ألا أخونها!‏

لمحت فاطمة شعرة بيضاء في مفرقها وهي ترتب شعرها قبل أن تسافر إلى عباس أفندي في عكا. لو رأتها في وقت آخر لابتسمت. ولبقي في سمعها صوت يوسف يقول لها: أصبحت أجمل مما كنت يا فاطمة! ولعبّرت بالاعتداد عن فرحها بحبه وبحياتها. لكن الشعرة البيضاء الآن تؤكد لها انتهى زمنك، يا فاطمة! اخرجي! فتنسى أن الأجيال لا تنضج دون حراسة السابقين عليها. وأن الشعرة البيضاء لا تجرح شباب القامة. قالت لقدري كأنها تداعبه: الجو معبأ بالحرب، ومع ذلك تريدني أن أسافر؟ نعم، يا فاطمة! لو تعرف ما به! فقد يكون فرحه بحديقة البلدية وبملابسه وحياته فرح من يريد أن يؤكد لنفسه بأنها حقيقة عاشها، لأنه يخاف عليها. قالت له: تؤشر الحروب إلى صفحة تطوى! تقصد أنها من هذه الصفحة؟ سهل أن تقول لنفسها ذلك في هدوء، معترفة بأنها عاشت زمنا أكثر سعة من حياتها، لكن هل تعترف في يسر بأن لاحق لها في أن توجد بعده؟ هل تقبل ذلك في هدوء لو لم تكن قد خلعت شيئا فشيئا رغبتها في الملابس والماء العذب ونسيم الخريف وعبق التراب في المطر وسحر الليالي المقمرة؟ سترت روحها، وقالت: قد يكون حظنا يا قدري أننا عشنا زمنا حتى عتبته الأخيرة! يا فاطمة مازال علينا أن نعيش. وكان ذلك صدقا له لا لها!‏

بعد أيام، في آب سنة 1914 نادى المنادون بالأبواق والطبول في الأسواق معلنين النفير العام، طالبين من كل رجل بين العشرين والأربعين أن يسجل نفسه. وعلق على الجدران أمر من الإدارة العرفية بمراجعة دوائر التجنيد، ينذر المتخلفين بمحاكمة عسكرية. فتراكض الناس! إلى هذا الحد صدقت نبوءة فاطمة؟ تمنى قدري ألا تصدق بقيتها!‏

يبدأ الحزن كبيرا ثم يصغر؟ لم يصغر حزن فاطمة على يوسف لكنه استسلم. تعتّق. قالت لشفيقة: صار وقت "ردّة الرجل"! اذهبوا إلى بيت منور لتأتوا بها! لم تقل: سأذهب معكم! ولم يسألوها لماذا استبعدت نفسها. من يجرؤ أن يمس حدادها! قدّرت أن زيارة منور لبيت أهلها حانت. فحتى بهاء، قريبها، يجب أن يفهم أن ابنتها مسنودة بأسرتها! لكن فاطمة أخرى بقيت مثبتة قرب النافذة المطلة على طبرية، كالغريبة عما حولها.‏

عرف قدري أن الدولة دخلت الحرب العامة وقت وصلت شفيقة وفاطمة اليونس وسعاد والعربجي إلى بيت منور. فأرسل البستاني ليبلغهن: دخلنا الحرب! ارجعن حالا!‏

حظ منور؟! لن تعود إلى بيت قدري للحفاوة بها. ولن يسألها أحد عن زواجها. ما أعجب الزمان! هي المدللة ذهبت إلى بيت زوجها دون عرس. ولا حفاوة بها في بيت قدري في "ردة الرجل" تعوضها عن عرسها المفقود!‏

ما مصير بهاء في الحرب؟ وهل ستبقى منور معه أم ستعود إلى بيت خالها؟ عاشت مع أهلها أكثر مما عاشت معه، ولذلك يجب أن تعود إليهم! كادت تقول لشفيقة: انتظري! لكن شفيقة قالت لها وهي تخرج: ابقي مع زوجك، حتى تعرفي أين ستكون أراضيه!‏

قرر خالد آغا ما يجب! فوصلت برقية منه إلى بهاء: احضر حالا! قدم نفسك للدفاع عن الدولة. لا تنتظر أن تطلب! غضبت شفيقة: يظن خالد آغا أن هذه الحرب كحروبه القديمة؟! لا يفهم أنها حرب عامة! يظن أن ابنه بهاء حر في أن يترك منور متى شاء كما كان هو يترك زهرة خانم ثم رابية خانم إلى الحرب؟ مجنون، خرف! وضعت فاطمة كفها على فمها كأنها هي التي قالت تلك الكلمات. فمن يجسر أن يقول ذلك عن خالد آغا! لم تفكر شفيقة بأن نوري شاب يمكن أن يساق إلى الحرب، وأن سعيدا مثله وإن كان يدرس في بيروت!‏

أتى بهاء إلى بيت قدري وفي جيبه تلغراف أبيه. جلس قرب فاطمة وتحدثا. لم تقترب منهما حتى شفيقة. هذا وقت مصيبة جديدة وفاطمة لم تشف بعد مما سبقتها! لم تستعجل شفيقة معرفة قرار بهاء. تستعجل فقط معرفة الأفراح! وأين هي اليوم!‏

عرض بهاء لفاطمة طلب أبيه. سألها هل يترك منور في طبرية أم يأخذها معه الى الشام. في الشام أين ستنزلها يا بهاء؟ عند رابية خانم؟! أم عند نرجس؟ يمكن أن تنزل في بيت نفيسة ولكن هل أنت باق في دمشق؟ إذا لم أبق عادت إلى بيت خالها! قالت شفيقة: لو سمعتكما منور لضربت الأرض بقدمها وقررت أن تبقى في بيت خالها! تنهدت فاطمة: لا نقرر نحن إلا التفاصيل يا ست شفيقة! في الأيام الهنيّة فقط يرتب الإنسان مصيره!‏

ساعدت فاطمة اليونس منور في ترتيب حقيبتها. ماذا تبقي؟ ماذا تأخذ؟ من يعرف كم ستغيب في الشام! سيقرر القدر فقط ذلك. لكن الشباب رائع! لا تحمل منور الهم. تنظر إلى بيتها على سور طبرية، تطل من النافذة على البحيرة، وتبتسم. من هنا كانت تدلي للصيادين سلة يضعون فيها السمك الطازج، ترفع السلة وتأخذ منها السمك وتضع فيها ثمنه! كانت الشمس تلون البحيرة، والنهار والليل ونجوم السماء وقمر الليل تهبها تجليات متنوعة فتطل منور مرات عليها لترى وجوهها. والآن سترفع يدها لكل ذلك، تحية!‏

لم تدمع عينا منور عندما ودعت أمها. لم تذق بعد أزمنة الفراق. نوري؟ يا حبيبي! وقفت على رؤوس أصابعها وقبلته. كأنها مسافرة في نزهة! لم تقدّر بعد أن موت أبيها كان فقط الحزن الأول في حياتها. من لم يذق الأحزان لا يتوجس منها!‏

بعد سفر منور بيوم واحد جلس قدري وقت الغداء دون أن يتكلم. مهموم؟ لم تسأله فاطمة ولم تسأله شفيقة ما بك! بعد الطعام سيتكلم. في الغرفة التي تطل على بحرة طبرية بقي الكبار فقط: فاطمة وشفيقة ونوري، قدري واقف ووجهه إلى النافذة. لديك ما تقوله يا قدري، فما هو؟ لا يسرّ! وهل في هذه الأيام ما يسرّ؟ من يتخلف عن العسكرية "فراري" عقابه الشنق. يا نوري يجب أن تسلّم نفسك!‏

لم يتحرك أحد. هل كانوا يتوقعون ذلك؟ أزاحت فاطمة نظرتها عن قدري. ذلك كثير يا ربي! كثير! تساءل نوري: أسلّم نفسي؟ لأصبح عسكريا في جيش لا أحبه؟ لأطيع ضباطا أتراكا؟ لأرحّل في حرب لم يقررها العرب ولا مصلحة لهم فيها؟ أقاتل الإنكليز لحساب الألمان؟ فليحارب الإتحاديون الذين أهانوا العرب في مجلس المبعوثين! يقول نوري ذلك لقدري الذي كان في مجلس المبعوثين ورأى مرارة شكري العسلي منه؟ من سألنا رأينا يا نوري وقت أعلنت الحرب! لكن أين المفر؟! يا خالي، سأطلع لعند البدو! سيطلبونك يا نوري! الإنسان عندنا ليس مهما إلا عندما يخرج على القانون! نظر نوري إليه عاتبا. يخاف خالي على نفسه! قال: لماذا لم يعلن النفير وقت حرب الطليان؟ ليسلموا طرابلس! يا نوري يجب أن تسافر إلى الشام، محل نفوسك، وتسلّم نفسك! وسأحاول أن أنقلك إلى طبرية! قالت فاطمة كأنها ليست هي التي تتكلم: يا نوري، اذهب إلى الشام..‏

- يمّا !‏

- إذا كان هناك بدل سندفعه!‏

تطلب منه أمه أن يسلّم نفسه؟ فاطمة التي جلست إليه في الليل عندما عاد موجوعا من دمشق بعد شنق الدروز! فاطمة التي انتظرت مولده سنوات طويلة واحتفت به عندما ولد! ركّب أبوه درابزينات للنوافذ خوفا عليه! اصطحبه معه في زياراته، وفرح به وهو يستقبل ضيوفه في "الديوان"! ألم تزهو فاطمة بطوله وهو يكبر تحت عينيها؟ ألم تبتسم كلما وقف الى جانبها: صرت أطول مني يا نوري! كيف تثنيه إذن عن الهرب من العسكرية، وترجح رأي أخيها قدري؟ لماذا لا توافق على فراره إلى البدو؟ يا نوري، يا حبيبي، لديك من العقل ما توزع منه على الأسرة كلها! فكر! هل سيفلت حتى البدو من العسكرية؟ وكيف ستعيش عند البدو؟ ماذا تشتغل عندهم؟ يوم تصل الدوريات إلى البدو ستكون فراريا! لن تقتل كما قتل اسماعيل دفاعا عن الدولة، بل لأنك فراري! في الأسرة حتى اليوم لا يوجد فراري!‏

عبرت منور وبهاء بحيرة طبرية، وركبا القطار من محطة سمخ إلى دمشق. استراحا في غرفة مدير المحطة، وحضرا "السلاملك" لعبد الرحمن باشا اليوسف. كان راجعا من أراضيه في البطيحة. في وداعه عسكر وطبول وأبواق. رأته منور، يلبس طقما فوقه عباءة. في دمشق تفرجت مرة أخرى على "السلاملك". وركب عبد الرحمن باشا عربته السوداء التي تجرها الخيل.‏

عبرت منور وبهاء ساحة المرجة، والبحصة، ثم صعدا في جوزة الحدباء إلى وسط سوقساروجا وعبرا حمام الجوزة والمقهى. مرا في طريقهما إلى بيت خالد آغا ببيت نرجس. هاهو النهر الذي يجري في عتمة الحارة، يعبر باحات البيوت، ويظهر في ساقية بيت خالد آغا وبحرته ويجري منها إلى ساقية نفيسة وبحرتها ويستمر بعدها. ألم تصل إليهما الورود التي أرسلتها جارة إلى جارتها أو محب إلى محبوبته؟‏

نزلت منور مع بهاء في البيت الذي قدمه خالد آغا لابنه، مقابل شجرة الكينا التي زرعها. في حارة صغيرة فيها ثلاثة بيوت فقط تغلق بباب يفصلها عن حارة قولي، أحدها بيت خالد آغا. جاءت نرجس من حارة النهر على بعد خطوتين وسلمت على منور. عانقتها وقبلتها: تقبريني ما أحلاك! ضرتان؟! بينهما قرابة، خبز وملح ونزهات وسنوات! حرص بهاء أن يكون متزنا وعابسا وقت دخلت نرجس لتسلم عليهما. شكرها لأنها أتت لتطمئن على أقربائها. قال لها: عينك على منور في غيابي، يا نرجس خانم! قلب صفحة الماضي ولا عودة إليه أبدا. تعرف ذلك نرجس ولاتبالي بذلك منور! لكنها راقبته وقالت بينها وبين نفسها: يضع وصية علي؟ أطرق. لا تغشه قوة الشباب المندفع فيها، فهو يحملها ما يثقل حتى من في عمر نرجس. ولكن يا للغرابة! يوصي بها زوجته القديمة! وبذلك يبين أن نرجس قريبة منه إلى حد أنه يأتمنها على زوجته المحبوبة! هل تدرك منور أن علاقته بنرجس تغيرت لكنها عميقة عمقا لا يقدره أي منهما؟ وأن ذلك لنرجس هدية كبرى تمحو ورقة الطلاق التي وصلتها منه من طبرية؟ من يستطيع أن يمحو علاقة بين رجل وامرأة ناما في فراش واحد، ولقيا الليل والفجر معا؟ كل ما مزقاه لأنه كان ثقيلا وهما معا، يختلسان إليه النظر في السرّ الآن. وكلما نظرا إليه توهما فيه فتنة لم ينتبها إليها. كلما تأملاه عمّقا الحفرة التي يخبئانه فيها ونسجا بذلك صلة سرية بينهما. ومنور الشابة التي تصغر كلا منهما تنظر إليهما في براءة المنتصرين الذين لا يفهمون أن انتصارهم ليس بعد مستقرا.‏

في تلك الليلة قالت منور لبهاء: هذه الحارة التي يغلق بابها في المساء ويفتح في الصباح سجن. سأنتقل إلى بيت عمتي نفيسة مقابل الشامية! تأملها بهاء وأحرقته الغيرة. منها؟ عليها؟ لا يدري! بدت بريئة وصافية عندما استمعت إلى خالد آغا وهو يقدم لهما بيتا قربه، وعندما أوصى بهاء نرجسا بها! لكنها قررت لنفسها غير ما يريدان ولم تترك لهما أن يرفضا رغبتها! بعد سفر بهاء في حملة الترعة ستنتقل منور إلى بيت نفيسة.‏

وفي تلك الليلة عانقها بهاء. لمس شعرها وخديها. خائف عليها؟ قدرت له ذلك. وبهذه العاطفة من العواطف التي كبحتها كبرت منور في ذلك اليوم. أينضجنا القلق والخوف على المحبوبين وليالي الأرق التي نكتمها، كشمس آب القاسية التي تنضج العنب! فهمت منور تلك الليلة ما لم يستطع بهاء أن يقوله. غيرته على صبية يتركها في أيام الحرب، لا يريد لها الحزن، لكنه يتمنى ألا تتزوج بعده إذا مات.‏

هل كان بيت قدري واقفا على شعرة؟ هل السعادة والصحة والهناء التي أسسها قدري قائمة على ملح؟ قالت له شفيقة: طبرية كلها واقفة على شعرة! حرب عامة، هذا قليل يا قدري؟! بيتنا مثل بيوت العباد! دخلته الحمة الراجعة كما دخلتها. أنت تعرف ذلك أكثر مني!‏

مرضت بها فاطمة وسعاد معا! قاومت فاطمة الحمى ثم انهارت. قالت لشفيقة: عينك على سعاد، وأغمضت عينيها كأنها لم تعد موجودة. جلس قدري قربهما: يا شفيقة كيف نستطيع أنا وأنت ألا نمرض؟ اشرب يا أخي ليمونا! هاتي! قبل كل ما تقوله أخته!‏

في دمشق قيل لنوري عد بعد أسبوع. فرجع إلى طبرية. استقبله قدري. أين أمي؟ اجلس يا نوري، اجلس! أصبحنا ثلاثة أصحاء! لا تقترب من المرضى كي نبقى ثلاثة! شفيقة لا تكفي وحدها! لا تحمل هما يا نوري، لكن انتبه! لا تقترب من فاطمة وسعاد! لا يقترب منهما؟! وجدهما غافيتين. وأمه تهذي. هذه فاطمة؟ حتى يوم كانت حزينة كانت كالملكة. لديه أسبوع ليفكر فيها! ليفهم أنه لم يحبها لأنها أمه فقط، بل لأنها فاطمة النادرة، فاطمة التي تشبه نجمة مضيئة، فاطمة مركز الجلسة ومركز النظر في صمتها وكلامها! أمسك يدها. في إصبعها خاتم كان يعجبه: ماسة تتوسط دوائر من أحجار قاتمة. الآن يفهم لماذا أحب ذلك الخاتم. وربما يفهم لماذا أهداه لها يوسف. هي الماسة في وسط من يحيط بها! كل من يحيط بها!‏

فتحت عينيها لكنه لم يشعر بأنها رأته. كانت تحاكم نفسها. تتصور أنها ضحت بابنتها منور. تمتمت. فقرّب أذنه من فمها. خيل إليه أنها قالت: جميلة وصغيرة قصفتها بالزواج؟ سمحت بزواجها لتطمئن عليها؟ لتتخلص من همها؟ تموت قلقة على أولادها! لولا الحرب لربما انشغلت بسعادة منور وبحبها بهاء، في بيت على سور طبرية، يدخل الموج شرفته ويتدفق على درجاته، ويبلل سجاد الصالة. تطل منور على البحرة التي تحبها. كذب نوري كما يكذب كل من يتمنى الراحة لمحتضر: اطمئني يمّا! همست: كيف؟ كيف؟ سمع نوري فقط تساؤلها وفهم أنها تتعذب. قلقة على منور؟ شابة، والشباب أقوى منك يا فاطمة! لم يعتّق عذابهم بعد. ستبهر منور أصحاب بهاء وسيخطبها منه إحسان بك، القائمقام الذي ظنها قريبته! ستتفتح امرأة قوية فلاتنشغلي بها! رأى نوري دموعا تسيل على خدي فاطمة. وضع يده على جبينها، لمس خديها، تبين نعومة بشرتها، ربت على كفيها. نسي سعاد النائمة في الغرفة نفسها، الغائبة أيضا. ماذا يفعل قدري؟ هل يمنعه؟ استدار عنه وخرج من الغرفة. يمّا، هل جئت لأودعك؟ يمّا، عيشي! بكى وانحنى على يديها وغمرهما بدمعه. لا تستعاض الأم! ومحظوظ من كانت له أم مثلها!‏

ماتت فاطمة دون أن تنتبه إلى موتها، ودون أن ينتبه إلى ذلك أحد ممن حولها، حتى نوري. كأنها انسحبت على رؤوس أصابعها خائفة أن تزعج الحاضرين! نادى قدري وشفيقة. نعم ماتت! هل تصور أن الدنيا ستنفجر إذا ماتت فاطمة؟ تصور قدري أيضا أن الأرض يجب أن تزلزل زلزالها. وربما تصور تورنس أن عاصفة ستهب وتقتلع شجر طبرية. لكن شفيقة هزت رأسها. تعرف أن موت المحبوبين قد يمر دون صوت كأنه حفيف ثوب أبيض في الممر. وأن صخب الحرب والخوف الكبير تمنع حتى الدموع على المحبوبين. لو كانت البلاد هادئة لكان موت فاطمة في مركزها! لكن موتها في أول الحرب من كارثة عامة. قالت شفيقة لنفسها: استراحت! وبكى البستاني لكنه قال في نفسه: محظوظة. تركت الهمّ على من بقي! وأنساهم الحزن على فاطمة أن نوري يجب أن يسرع إلى الشام ليساق!‏

خرج قدري مكسورا من الغرفة التي ترك فيها فاطمة. ذهل وقت فهم أنها ماتت. ثم وضع وجهه على يدها المستريحة على السرير إلى جانبها وبقي زمنا ساكنا، ثم بدأ يرتفع ويهبط وهو ينشج. فأخرج نوري شفيقة من الغرفة وتبعها. فليبح قدري لها بأنه فقد قطعة من روحه! لو فقد شفيقة لما شعر بمثل ذلك الحزن. ولم يغضبها ذلك. لم يجلس إلى شفيقة في غرفة مغلقة ليحدثها عن همومه بين عرب ضعفاء ويهود يتزايدون ليبلعوا المدينة. وربما باح لفاطمة بهموم أخرى أيضا، بحب خطف قلبه، بهوى امرأة عرف أنه لن يبقى معها لكنه أحس بأنه سيفقد عمره إذا لم يعش معها ويتسرب في روحها! كانت النظرة تكفي لتعرف فاطمة ما يريد أو يعرف ما تريد. كان يكمل الكلمة التي تبدأ بها. وتكفي حركة تهمّ بها حتى ينهض ليستكملها. ولم يكن ذلك يضايق شفيقة بل كان يبهجها.‏

مرض نوري بالحمة الراجعة بعد موت فاطمة. رأى سعاد تصحو وتسأل عن أمها. وسمع شفيقة تقول لها: الحمد لله على السلامة! أمك؟ أرسلناها إلى الضيعة لتسترد صحتها! ثم غاب.‏

خلال هذيان نوري سهر قدري عليه. ولاحظت شفيقة أن ظهر قدري انحنى منذ موت فاطمة. قال لها: ربما كان يجب أن أتركه يهرب إلى البدو! لا، يا قدري لا تدع حكمتك! هذه حرب عامة لن يهرب منها حتى البدو! سيغنون عن أبي الجديلة والخوف من الريح الشرقية والهزيمة! لن تبقى الدنيا كبيرة! سيصل الألمان إلى الصحراء. فأين يختبئ البدو؟! ومن يصدق أن نوري بدوي مثلهم؟ ومن يضمن أن البدو لن يسلموه؟‏

صحا نوري وشفيقة تلمس رأسه. وعى أنه ضعيف، واهن، لكنه شعر بأن مرضه انتهى. لا يستطيع أن يقف على قدميه، لكنه يشعر برغبة في النهوض. يحاول أن يشرب كأس عصير الليمون كله، فلا يستطيع. لكنه يشعر برغبة في أن يشربه كله. لا يستطيع بعد أن يتناول شوربا الخضار التي يمد قدري يده بها، لكنه ينظر إلى قطع الجزر والبطاطا والبقدونس راغبا فيها. برقت عينا قدري: شفيت! نوري شفي، يا شفيقة! نظر نوري إلى قدري. يرسله إلى الموت ويساعده على النجاة منه؟ قال له: يا خالي، أتعبتك! سهر قدري هذه الليالي عليه وعلى سعاد. وعوضها بالدلال عن غياب فاطمة. كان يخيل لنوري أن العواطف ذات لونين فقط. وهاهو واحد من بلاد تتهيأ للحرب، فيها هو وقدري معا. نوري الشاب، وقدري السياسي، عضو مجلس المبعوثين، الساهر على طبرية، صهر عائلة الطبري، المضيف الذي نزل عنده رجال بيروت ودمشق والضباط الألبان ورجال الدولة. تدفعهما رياح واحدة. استدار قدري إلى بحيرة طبرية، وشعر نوري بالشفقة عليه.‏

نادت شفيقة: يا سعاد! شفي أخوك! شفي! ودخلت سعاد بثوب سماوي، شعرها الذهبي خواتم على كتفيها. أبقتها شفيقة على بعد منه. عرف وهنه عندما أراد أن ينهض ليطمئنها إلى شفائه. عنيت به شفيقة بعد المرض كأنه ولد صغير. اشرب هذه الشوربا! كل هذا السمك، السمك خفيف! اشرب الليمون، قال تورنس يجب أن تشرب كثيرا من السوائل! ابتسم ساخرا يوم وقف على قدميه: تقويني كي أذهب إلى الحرب؟! ردت عليه بقسوة المحب: اسمع يا نوري! لا أحد اليوم دون مصيبة تفيض عنه. لكن ما بعد الشدّة إلا الفرج! ستمضي الحرب! فكر بسعاد وستعيش حتى تراها في بيتها. سأكون لها الأم والأب حتى تعود! الله يعين الناس الذين لا سند لهم وليست عندهم خميرة للأيام السوداء!‏

يصعب يا نوري أن تصنف عواطفك بادئا من حوارك مع خالك عن العسكرية! يصعب أن تصبغها بالأبيض أو الأسود! ففيها الألوان كلها. من تستمر حياتهم معا، تلوّن كل حادثة علاقتهم وتنقلها من عتبة إلى عتبة. وهم المذنبون إذا أصبحت الألوان كلها قاتمة.‏

رحل نوري إلى دمشق، وشغل قدري نفسه بسعاد. يطلب المغفرة بها؟ أم يستعيد بها فاطمة! يسألها بعد المدرسة ماذا تعلمت. الرياضيات؟ الإنكليزي؟ القرآن؟ معلمتها من دمشق. اكتبي لأرى خطك الجميل! يصرف ساعات على سعاد وأبناؤه يتفرجون عليه. ويلتقطون ما تتعلمه منه. ينتبه أحيانا لابنيه اللذين يجلسان مستمعين. ويوجه إليهما كلامه أحيانا. يبدأ الدرس لسعاد ثم يصبح لهما أيضا. لكنهما يفهمان أن سعاد هي المفضلة. وسيظل يهتم بها حتى ينشغل بالاجتماعات والمؤتمرات ثم يكلفه هربرت صموئيل "بالاستعفاء" من وظيفته، فيترك نفسه في الأيام الأخيرة لعاصفة كبحها في قلبه أزمنة طويلة.‏

وصل نوري إلى دمشق متأخرا أسبوعين عن الموعد الذي يجب أن يساق فيه. لم ينظر إلى رتبة العسكري الذي قال له: فراري! رد: فراري؟ أتيت إليكم على قدمي!‏

صرخت نرجس: يا ست نفيسة، اركضي! يا منور، اركضي! أخذوا نوري ليشنقوه! ركضتا وراء نرجس في حارة قولي، عبرتا جوزة الحدباء، والبحصة، وخرجتا إلى المرجة! زاحمن الناس. هذا يوم القيامة! دفعت نرجس الناس، وانسلت خلفها منور ونفيسة. رأته نرجس. هذا هو، أركبوه في العربة! ركضتا نحو العربة. تكادان تمسكان بها. رآهما نوري. ساحة المرجة مرة أخرى! هل هو الذي سيعلق على المشنقة هذه المرة لا ذوقان الأطرش؟ تدافعت في نافذة العربة الرؤوس. المظلوم ضئيل، لا يبالي أحد بموته وحياته! نوري هذا الرأس الصغير الذي يظهر ويغيب في نافذة صغيرة! صرخت منور: يا خيّي، يا نوري! لكن نرجس فقط سمعتها. ضاع صوتها في الدويّ.‏

لحق خيّال بالعربة فتوقفت برهة ثم استدارت. وعادت منور ونرجس تركضان خلفها. وقفت العربة عند دار المشيرية، قرب سوق الحميدية. نزل منها عدد من الشباب لم تتصور منور أنها تتسع له. بينهم نوري. صرخت وارتفع صوتها فوق الأصوات! سألت نرجس رجلا: أخي الله يوفقك، ماذا سيفعلون بهم؟ كل واحد منهم يعامل بما يناسبه! أخي خذ خمسة مجيدي واسأل عن نوري! في أي زمن بدأ أهل المعتقلين يخلعون أقراطهم ويخرجون مدخراتهم لينقذوا الولد العزيز؟ في أي زمن من أزمنة البشرية فهم الظالمون أن السيف الذي يرفعونه يحمل لهم الذهب؟ في أي زمن بدأ الإنسان يعرف أن الدموع تشترى وتباع؟ وأن ثمن اللقاء بالعزيز والنظرة إليه تساوي الذهب؟‏

اطمئني يا أختي! يسجلون نوري! زغردت نرجس. عندئذ شعرت منور بأنها ستقع على الأرض من الضعف. وبأنها تلهث ولا تجد الهواء لتتنفس!‏

عاد نوري إلى بيت نفيسة. بعد ساعة فتح خالد آغا الباب محتقن الوجه. صعاليك! صغار! مثلهم يستطيع أن يدافع عن دولة في حرب عامة؟! يا نوري، سأطلبك! اقبل! هل يفعل ذلك لأجل فاطمة العزيزة عليه؟ ربما، لأنه لم يسمح لبهاء أن يتخلف عن الجبهة! لا، يا خالد آغا! لا! لو استطعت لخرجت إلى البدو! ذلك فقط ما أستطيع أن أفعله. غير ذلك لا! يا نوري كن عاقلا! هذه حرب عامة! لا، لا أستطيع! نعم، لا يستطيع أن يجلس عند رابية خانم كالحاجب. قال لا وهو يشعر بأنه ليس هو الذي يجيب، بل نوري آخر. هو المنهك يريد الآن أن ينام ليهرب من هذا اليوم ومن الغد. قالت نفيسة: كل قبل أن تنام! يشعر بثقل في جفنيه، ويرى منور تنظر إليه دهشة! من يمكن أن يشعر بالنعاس بعد ما حدث اليوم، يا عمتي؟ أظن أني لن أستطيع النوم عشر ليال! لعله إذن يهرب بالنوم، يا منور! حدقت منور في يديها وقلبتهما: هادئتان! ومع ذلك ترتجف! قالت لها نفيسة: قومي إلى الحمام. اغسلي هذا اليوم عنك! كلفتها نجاة نوري خمس عثمانيات. ستلجأ إلى الذهب! فهل ستنتصر الدولة التي تباع وتشترى فيها حياة إنسان؟! لو عرفت منور ما بها لاقترحت عليها أن تدخل قبلها الحمام لتغسل عنها القرف من الدولة والخوف على البلاد !‏

كان غضب خالد آغا على جر نوري كفراري تفصيلا من غضب واسع. جلس في مقهى سوقساروجا. قدم له الشاي مرات. بردت الكؤوس ولم يتناولها. جلس صاحب المقهى إليه: خالد آغا، لم يعجبك شاينا؟ رد: الأوضاع هي التي لا تعجبني! ابتسم صاحب المقهى: تعجب من يا خالد آغا؟! رنت كلماته في المقهى. لكن الجالسين لم يلتفتوا عن طاولات الزهر. لا هم ولا هو يستطيعون أن يغيروا القدر الآن! في الحروب السابقة كان خالد آغا يدافع عن وحدة الدولة. هذه الحرب ستقسّمها! قال: هذه الحرب خيانة عظمى! ولكن هل يمكن الهرب منها؟‏

لم يجهل أصحاب خالد آغا أنه قصد الإتحاديين. هذا المطر من ذلك الغيم! سالونيك مركز المحافل الماسونية! لا تقولوا إن الاتحاديين قصدوها لأنها بعيدة عن عيون السلطان فقط، قولوا الحقيقة الأخرى: بدأت المجموعة التي حملت المصائب إلى الدولة، من حضن المحامي اليهودي قراصو الذي أسس في سالونيك محفلا ايطاليا، اجتمعت فيه جمعية طلعت السرية! يدان السلطان إذا راقبها، ولايدان السفير الأمريكي في تركيا اوسكار شتراوس الذي يحميها! من هو؟ غني، لإخوته في نيويورك مخازن ماسي وأبراهام وشتراوس! فهم شتراوس أن قراصو جمع بين الصهيونية وبين الاتحاد والترقي. لذلك سمى بعض الإنكليز جمعية الاتحاد والترقي "جمعية يهودية". شعارها شعار محفل قراصو الماسوني، أخوة مساواة حرية. أجمعت أطراف متنوعة: مبعوثو العرب الوطنيون، والمبعوثون الأتراك الوطنيون، وتقارير الإنكليز على أن تركيا الفتاة يقودها يهوديان هما طلعت وجاويد.‏

في تلك الأيام من سنة 1914 قتل أصحاب أنور وزير الحربية ناظم باشا ونطّ أنور إلى مكانه. تزوج قريبة السلطان وانتقل إلى القصر. قبض جمال باشا على استنبول، وقبض خليل بك على مجلس المبعوثين، وجاويد على وزارة المالية، وطلعت على وزارة الداخلية! الأمير سعيد حليم وزير خارجية لا وزن له. فهل تجهلون من قرر دخول الدولة العثمانية الحرب؟‏

كان خالد آغا يتصور أن كل ماعاشه قرره هو. القدر؟ هو القدر! لم ينتبه إلى أنه دفع إلى الحروب التي خاضها. وأنه نجا منها صدفة. لكنه الآن محمول على قدر غريب. أسير يجر من عنقه. لم يقدّر حتى وهو يتهم الإتحاديين في سنة الحرية أن الدولة يمكن أن تنهار في بساطة. والآن يرى دمار كل ما دافع عنه. لا قيمة لاندفاعه في المعارك! لا قيمة لشجاعته وإخلاصه وحماسته! هل يتبين من يراه المرارة التي تمنعه من رشف كأس الشاي الذي قدمه له صاحب المقهى؟ هل يستطيع هؤلاء الذين يحيطون به أن يخمّنوا هول أن يبدو منتصبا على أمجاده، مثبتا على نبوءاته، وهو حزين وحيد مؤمن بأن لا قيمة ولا صوت ولا قرار له؟ هل خمّن صديقه أبو بديع ذلك؟ قال له أمس: يا خالد آغا، هذا زمن لا تسأل فيه الشعوب عن رأيها! يقرر لها مصيرها! رد خالد آغا: صحيح، لا يؤخذ حتى برأي مجلس الوزراء والصدر الأعظم! فتصور يا أبا بديع هول أن تقرر مجموعة من شباب حمقى مصير دولة كبيرة كالدولة العثمانية! ولكن هل يعي أبو بديع حقا هول أن يشعر رجل مثل خالد آغا بأنه من زمن تطوى الآن آخر صفحاته؟ لا تطوى الدولة العثمانية، نطوى نحن يا أبا بديع! لا أحد يرغب في خبرتنا وحكمتنا. وبعد الحرب، إذا عشنا، سنكون رموز عصر لا يرغب أحد في أن يتذكره!‏

أصغى إليه أبو بديع، وسمع الجالسون حول الطاولة المجاورة له مرارة لم يألفوها في صوته. قدّر خالد آغا أن باحة المقهى صمتت كأنها تستمع إليه. وبدا كأن شجرة التين التي تظلل الباحة حبست أنفاسها. سأل نفسه: هل العمر هو السبب يا خالد؟ وانتبه إلى أنه يتصور نفسه شابا كأنه ما يزال ذلك الرجل في الصورة المعلقة على الحائط. يوم تحدث الاتحاديون عن التجديد كأنه تغيير أجيال قال خالد آغا: الموقف والخبرة، لا الجيل! لكنه الآن يهمس لنفسه: الدنيا هي التي تعطي الشباب والشيخوخة! أمس وقف ابن الجيران الصغير قرب خالد آغا. تفرج على صورته المعلقة على الحائط وقال: يا عمي، كنت جميلا! كنت؟! نظر خالد آغا إلى صورته. شاربان منتصبان، قامة مشدودة، كتفان عريضان. تنحى عن الصورة ونظر إلى المرآة! لم يتهدل! لم ينحن ظهره! لكن أين الشباب؟ لا، ليس ذلك يا خالد آغا! همتك همة الشباب. لكنك رميت مثل قشرة برتقال! دنيا تافهة ومنافقة لا مكان لك فيها! أغمض عينيه. ليس ذاك فقط! الناس.. في الناس خراب!‏

قال أبو بديع: نعم يا خالد آغا، يقرر لنا مصيرنا! رد ساخرا: هل تتصور يا أبا بديع أن وضع عثمان باشا في مصر أحسن من وضعي هنا؟ من سأله رأيه في فصل مصر عن الدولة العثمانية وإلغاء الخلافة؟ شغله قصره في المهاجرين عندنا، جرحنا كرامته عندما داعبناه فقلنا له لا تشغل بالك به، نقبله كما هو! فهل يستطيع أن يقول كلمة عن الحرب التي يجمع فيها الإنكليز المصريين والهنود ليحاربونا؟ ستكون القنال جبهة. ومن هناك؟ الإنكليز فقط؟ العرب! من يمد الطرقات للإنكليز؟ المصريون! بالضرب والسخرة!‏

أمر أنور القادرين كلهم أن يلتحقوا بالجيش فورا حاملين معهم زاد ثلاثة أيام. تدفقوا إلى المكاتب فلم تستوعبهم، لذلك طلب من نوري أن ينصرف ويعود بعد أسبوع. الآخرون صرفوا زادهم وهرب كثيرون فرارية. سحب الرجال والدواب، البقر والحمير والخيول والثيران من الريف. كارثة! قل القمح. ومراقبة التموين طريق إلى السطوة والقوة والثروة. قطع الإنكليز والروس والفرنسيون طريق البحر. فارتفعت الأسعار. وسترى يا أبا بديع الجوع في البلاد! لذلك قلت الحرب خيانة عظمى! لكنها وقعت. فيجب أن نحارب فيها! تأمله أبو بديع وكاد يسأله: تقبل أن يحارب ابنك بأوامر أنور وأنت تعرف أن فون ساندرز، مستشار البعثة الألمانية، لايحترم مؤهلاته العسكرية؟!‏

رتب جمال باشا قائد الجيش الرابع في سوريا وفلسطين الهجوم على مصر من قنال السويس في 15 كانون الأول. حفر المهندس الألماني كريس فون كريسنشتاين آبار ماء على الطريق إلى الترعة. والطقس مناسب للحرب! لكن الحرب خيانة عظمى! قال خالد آغا: لكنها وقعت. يجب أن نحارب!‏

كان أنور باشا، القائد الأعلى للقوات العثمانية، غارقا في أحلامه باختراق روسيا من القفقاس للوصول إلى الهند عبر أفغانستان. غير مبال بجبال القفقاس وحصونها وثلجها وأنهارها. فقاد كالفاتحين القدماء الجيش الثالث في 6 كانون الأول في الهجوم على روسيا، وتاه في الممرات الجبلية وفقد تسعين بالمائة من عسكره. وفي رمال الصحراء قاد رفيقه الحملة على القنال.‏

كان خالد آغا قد قال لبهاء: خذ البيت الصغير! مقابله شجرة الكينا التي زرعتها بيدي. ستؤرق منور فيه فقط العصافير التي تعشش في شجرة الكينا! انتبه إلى رقة أبيه التي لم يصادفها فيه من قبل. ورأى منور تفحص نباتات أرض الدار كما فحصت الغرف والمطبخ. خمّن أنها تشعر بالغربة عن بيت لم تختره. دمشق نفسها ليست دمشق التي كانت تزورها مع أمها وإخوتها!‏

في ذلك الصباح خرج بهاء من البيت. توقف برهة تحت شجرة الكينا. في طريقه إلى محطة القطار انحرف إلى حارة النهر وطرق باب نرجس. سمع صوتها وراء الباب: مين؟ كاد يتراجع. رد: أنا! امتد صمت من الثلج. ثم فتحت نرجس الباب. ظهرت له دون غطاء على الرأس. تعلن له أنه مازال زوجها؟ ترحيبها الحار كما ألفه! يا أهلا وسهلا! قدمته عليها إلى الغرفة. رأى الكراسي والخزانة والستائر نفسها. فوق البيرو الصدف في صدر الغرفة بين كازين من الزجاج الزهري رأى صورته. جاء يودعها؟ غصت عندما أوصاها بمنور. لكن الضوء بقي على وجهها. قالت: طلبك أمر، بهاء بك! تكرم! بعيوني!‏

في فجر 3 شباط والسماء معتمة بعد، أمر جمال باشا بالهجوم على القنال. فتح الإنكليز نارهم من الضفة الأخرى فقتل عشرة بالمائة من الجنود العثمانيين. كتب صديق لسايكس في ترفع عنصري: خطة العثمانيين أن يشعلوا النار في الجمال فتركض إلى القنال لتطفئ نارها فيجتازون عليها القنال!‏
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://ikhlassnet.ibda3.org
 
شهداء وعاشق في بلاد الشام............................................
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
ikhlassnet :: أدب وشعر :: الروايات-
انتقل الى: