ikhlassnet
زيزي الزائر / عزيزتي الزائرة يرجي التكرم بتسجبل الدخول اذا كنت عضو معنا او التسجيل ان لم تكن عضو وترغب في الانضمام الي اسرة منتدي إخلاص نت سنتشرف بتسجيلك
وشكرا
ادارة المنتدى

ikhlassnet

منتدى إخلاص نت، مواضيع شيقة،مفيدة؛ تشمل كل الاشياء
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 ليلة القدر خير من ألف شهر

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ikhlass
Admin
avatar

عدد المساهمات : 391
السٌّمعَة : 5
تاريخ التسجيل : 06/09/2009
العمر : 25
الموقع : www.ikhlassnet.ibda3.org

مُساهمةموضوع: ليلة القدر خير من ألف شهر   السبت سبتمبر 26, 2009 1:52 pm

وما أدراك ما ليلة القدر؟ ليلة القدر خير من ألف شهر".. كان أبو ديبو يرتل في سره وهو يحمل معوله ويمضي إلى حاكورته التي تتكئ على نهر تورا جنوباً وشارع المالكي شرقاً.

"تنزّل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر. سلام هي حتى مطلع الفجر" تابع وهو لا يدري لم أفاق وكل ما في ذهنه سورة ليلة القدر.. وما كانوا يروونه، وهو طفل، عن ابن حارتهم الذي طلعت له ليلة القدر فتمنى على الله "عزاً يدوم ومالاً يعوم ونسلاً إلى يوم القيامة يقوم "وصار بعد ذلك في أعلى المراتب، أمواله لا تأكلها النيران... ذريته في كل مكان..‏

أهو حلم رآه لكنه لا يستطيع تذكره؟ هو لا يدري. كل ما يدريه أنه أفاق على صلاة الفجر وكل شيء من حوله سلام.. عناء الأمس، عذابات اليوم، هموم الغد كلها بدت وكأنها تلاشت دفعة واحدة.. صفاء في ذهنه، سلام في نفسه.. سلام من حوله.. هكذا أفاق وكأنما تنفتح أمامه صفحة جديدة من الحياة، صفحة بيضاء لا لطخة فيها ولا شائبة.. توضأ، صلى الفجر.. أم ديبو ما زالت نائمة، لم يوقظها... ولماذا يعكر ذلك السلام؟ ثم خرج يتنسم أنسام الفجر وقد جاءت عليلة.. تحمل شيئاً من رطوبة الندى، إنعاش الغوطة وبرودة البادية..‏

"آه، لو تطلع لي ليلة القدر "تمتم متنهداً وهو يضرب بمعوله التربة، وحيداً خالي البال لم يفكر بعد بعذابات اليوم ولا هموم الغد.. ثم لم يرفع رأسه إلا وقد وقع على عينه أول شعاع للشمس. نظر إلى الشرق فإذا به مثلما تنبجس من فوهة البركان حممها الأولى حمراء لاهبة، كانت الشمس تنبجس من الأفق حمراء لاهبة أيضاً..‏

بتوجس وخوف نظر أبو ديبو إلى القرص المتوهج وهو يعلم كم يحمل من قيظ وحر وكم عليه أن يتحمل من ذلك القيظ والحر ليوفر القوت لمن في بيته من أفواه جائعة. "لكن ما لهم الأولاد لا يفيقون؟ "شرع يتساءل وهو يرفع رأسه عن الأرض متوقفاً عن الحفر ناظراً إلى البيت ذي الغرف الطينية الثلاث. أم ديبو تخرج من غرفة المؤونة يهيب بها أن أيقظي الأولاد فتسرع إلى الداخل بعد أن ترمق الشمس بنظرة فاحصة. - ديبو!! فهد!! شاهة!! أميرة! راحت تنادي وهي تطل برأسها فاتحة هذا الباب ثم ذاك.. هيا.. انهضوا.. الشمس الضحى وأنتم نيام.. هيا.. أبوكم يناديكم.. لحظة من لحظات السعادة تعيشها أم ديبو وهي توقظهم كل صباح ثم لا تتركهم إلا وهم ينسلون إلى الحاكورة واحداً إثر الآخر، فاركين أعينهم، متمتمين بكلمات الاحتجاج والتذمر. "جيل عجيب حقاً! "تمتمت أم ديبو وهي تتجه إلى الحظيرة هازة رأسها، ساخرة. "يريد أن يأكل دون أن يعمل!! العطالة منى نفسه والبطالة قرة عينه أطعمه لا يشبع، كلمه لا يقنع.. لكأنه من نسل البغال "لكن أم ديبو أسرعت تكتم ضحكة "كيف ذاك والبغال لا تتناسل؟ هي وحدها من حيوانات الأرض كلها عقيمة، لا تحمل ولا تلد؟"‏

أم ديبو ناقمة على أولادها قليلاً، آسفة على حظها كثيراً، فهي مذ تزوجت ابن النايفة، سيف الدين، الذي كان الناس جميعاً يدعونه سيفو، والفقر لها بالمرصاد. والده كان غنياً يملك الحواكير والبساتين وحين تقدم لخطبتها لابنه حسدتها الكثيرات، لكن ما ان صار على فراش الموت حتى تبين أنه لم يعد غنياً ولم يعد يملك الحواكير والبساتين. أقوال كثيرة رددها الناس عن سبب ذلك، لكن ما الفائدة والفأس وقعت في الراس؟ ماضي أبي سيفو، مكانته الاجتماعية، اريحيته، كل ذلك كان قد اخفى حقيقة ما وصل إليه. بل إن أم ديبو لم تعلم أنها تزوجت رجلاً فقيراً إلا بعد أن جاءها ابنها البكر. بعدئذ بدأت الولادات تترى: صبي، بنت، بنت، صبي إلى أن سجلت الرقم الذي تنغلق به الدائرة، اثني عشر بطناً خلال خمسة وعشرين عاماً. لكن الموت كان يقف بالمرصاد. منجله يحصد ما تلد بطريقة فظة. واحد يعيش، اثنان يموتان. وهكذا لم يعش من الاثني عشر إلا أربعة مخلفاً ذلك في الصدر قلباً مجرحاً ليس فيه مكان لحراب أو نبال، ورحماً مستنزفة في البطن لم يبق فيها مكان لبنات أو صبيان. لكن حتى الأربعة الذين ظلوا لم يشف واحد منهم غلها. ديبو لم يصل إلى الصف السادس إلا بشق النفس ثم شق عصا الطاعة وأبى أن يتابع مؤثراً البطالة والتسكع على تعب الدروس ووجع القلب. فهد وصل إلى الصف الثامن لكن المراهقة جاءته مبكرة فعافت نفسه القلم والكتاب، العلوم والآداب ليلاحق البنات ويخلب لبه عشق الحسناوات. شاهة خلقت قصيرة القامة، داكنة البشرة، جهمة الوجه، أنفها أقرب لانتفاخة الحوجلة، عيناها صغيرتان كحبات الخرز، شعرها أجعد كأنها من نسل حام، وأبى والدها منذ البدء أن يرسلها إلى المدرسة. ثم ها هي في الثالثة والعشرين ولم يطلب يدها أحد.. بل حتى أميرة التي جاءت جميلة بعض الشيء، واعدة بعض الشيء، خيبت أملها أيضاً. هي في السادسة عشرة، وصلت إلى الصف الحادي عشر، طويلة، هيفاء، قوية البنية، كاملة العقل، حنطتها مشربة بتلك الحمرة التي تلفت نظر الرجال، لكنها ترفض الرجال. "ماذا؟ تقول إنها تريد متابعة الدراسة.." أم ديبو تود لو ترضى أميرة بنصيبها وتتزوج.. أكثر من خمسة خطاب أتوا إليها..‏

بعضهم في حال تغري الفتاة، لكن أميرة لا تخضع لإغراء. مائة مرة حاولت أم ديبو إقناعها.. "يابنتي... البنات خلقن للزواج"، "يا بنتي، الفتاة أولاً وأخيراً للبيت.. للأولاد.."، "أميرة.. تزوجي قبل أن تكبري.. أمك تزوجت وهي في الثالثة عشرة".. "غدا تعنسين كأختك فلماذا عنادك؟" لكن أميرة، ككل أبناء جيلها لا تقنع.. ولا تشفق على أمها التي يلاحقها الفقر وسوء الحظ.‏

سوء الحظ لاحقها حتى في بقرتها العطراء التي كثيراً ما ترد عنهم غائلة الجوع.. قبل ثلاثة أسابيع بدت عليها علائم المرض، راحت تهزل، تضعف، حتى كادت تنفق.. أم ديبو قطعت منها الأمل.. فالجارات حولها كن يتناقلن أن هناك طاعوناً يجتاح البقر كله من شمالي البلاد إلى جنوبيها ومن شرقيها إلى غربيها.." أللبقر طاعون؟ حقاً إنه زمن العجائب.. يسمع فيه المرء ما لم يسمع به أبوه وجده". لكن ربما بقية من حظ وقرطها الذهبي أنعشا البقرة قليلاً فقد جاؤوها بطبيب حقنها حقنة وأمر لها بأدوية وعقاقير بدت بعدها وكأنها تتماثل للشفاء..‏

-ويلاه!! ويلي!! صاحت أم ديبو صيحة كأنها من فم السكين وهي تخرج من الحظيرة بعد أن رأت بقرتها جثة هامدة.. العطراء ماتت.. بقرتنا ماتت.. تابعت صياحها وهي تجري بجرمها الثقيل نحو الزوج الذي خيل إليه حين أفاق أنه كان في ليلة القدر التي هي سلام حتى مطلع الفجر..‏

واسعاً انداح الصوت، مع الاندياح حصل اضطراب وجلبة.. جري إلى الحظيرة، سؤال من هنا، تعجب من هناك، ثم انكسار وحزن.. بكاء ودموع والرجل وولداه يجرون بقرتهم بعيداً، ثم يدفنونها فيأمنون رائحتها ومكروباتها..‏

"يا لليلة القدر!!" راح أبو ديبو يتمتم في سره وهو يعود من جنازة عطرائه متهدل الكتفين، متهدل الذراعين، متهدل الأذنين، جندياً يجرجر أذيال الهزيمة. "تتفاءل بالخير فتلقى الشر "لكنه لم ينبس بحرف، وما جدوى الكلام؟‏

امرأته، ولداه، بنته، كلهم ينتظرون أن يقول شيئاً، لكن ما عساه يقول؟ الصمت أبلغ الكلام.. فليصمت وليعاود العمل.. ليعاودوا جميعاً العمل.. والعطراء لا يجديها بكاء ولا عويل...‏

بإشارة من يده.. عاد أفراد الأسرة إلى العمل من جديد يعزقون ويحفرون.. فيما عادت أم ديبو إلى غرفة المؤونة تعد الإفطار. دامعة العينين.. محترقة القلب.. غلت الحليب على النار حزينة كسيرة.. أعدت الشنكليش، قطع الجبن.. فكل شيء يذكرها بالعطراء، الرفيقة الصديقة التي كانت تحمل عنها هم العائلة وإطعام العائلة.. "لكن.. لا.. أسرعي لا تتأخري".. راحت تخاطب نفسها وهي تعلم أن تأخرها يعني الجوع والجوع يعني أن يرغي زوجها ويزبد.. وهي تعرفه.. أبو ديبو لا يتحمل الجوع.. إن عضه صرخ في الحال ووقع صراخه على رأسها هي. على عجل وضعت صحون الطعام على طبق القش، حملته على رأسها ثم مضت إلى الحاكورة. الأب، الولدان، وشاهة يعزقون التربة. وحدها أميرة غائبة.. هي تذهب مع طلوع الشمس إلى مركز التدريب.. "ماذا؟ قال فتوة قال.. فتيات يتدربن على الأعمال العسكرية لكأن البلاد خلت من الرجال؟" تمتمت لنفسها وهي تلوح برأسها ذات اليمين وذات الشمال، "لو سمع أبو زيد الهلالي بذلك لفقع ضحكاً.."‏

أبصر الزوج زوجته حاملة صينية الطعام فانفرجت أسارير وجهه أو كادت.ألقى بالمعزقة جانباً ومسح بكمه عرقه ثم نفض الغبار عن قميصه المتسخ كالح اللون وسرواله المثقّب المرقع ومضى إلى ظل شجرة الجوز وقد سمقت عالياً وامتدت واسعاً هنا وهناك ضاربة جذورها في أعماق تورا تعب منه الماء عبا.‏

حول الصينية جلسوا. أسعد اللحظات لدى أم ديبو تلك التي تجتمع فيها العائلة، يمازح الأولاد بعضهم بعضاً، يروي أحدهم طرفة، يعلق هذا على ذاك ويضحكون.. صحيح أنهم فقراء لا يملكون الكثير، لكنهم سعداء، يعملون معاً، يأكلون معاً، يضحكون معاً ويشاطر كل منهم الآخر فرحه، ترحه، همه، سعادته. هذا الصباح فقط يأكلون صامتين. الحزن يضرب أطنابه عليهم وقد دفنوا لتوهم عطراءهم الغالية. ماذا يقول واحدهم للآخر؟ بم يتحدثون؟ وجه الأب عابس قمطرير.. كتفاه متهدلتان، أذناه متهدلتان وهو يشعر بيأس العالم كله يحل محل ذلك السلام الذي ظل حتى مطلع الفجر.. موت البقرة كان قد هيج عليه المواجع، ذكره بهمه الأكبر..‏

قبل يومين فقط كانوا قد بدأوا بإعداد الأرض للزراعة الشتوية: ملفوف، زهرة، فجل، جزر، وكان عليهم أن يزرعوها في الحال. لكن حتى اللحظة لم يستطع سيف الدين النايفة تأمين البذار.. ثمنه بات غالياً.. لم يعد أحد يرضى بزراعة البذار المحلي.. البذار المستورد أفضل نوعية وأوفر غلة لكنه غال: علبة البذار بمئات الليرات وليس لديه ليرة منها.. "ماذا تفعل يا أبا ديبو؟ ماذا تفعل؟" راح يتساءل وهو يمضغ لقمته على مهل ثم لا يجد نفسه إلا وهو يطلق تنهيدة طويلة عميقة.‏

-يعوض الله يا رجل!! قالت امرأته وكل ما في ذهنها أنه يتنهد على مصابه. تجاهل الرجل تعليقها رافعاً صحن الحليب إلى فمه شارباً ما فيه بصوت عالٍ أنساه حتى ذلك التعليق، لكن فهداً لم ينسَ فعلق من جديد.‏

-هذا الطاعون وباء مخادع فتاك.. يقال انه قضى على قطعان كاملة من الأبقار بهذه الطريقة.‏

-مخادع وحسب؟ حسبت أنها تحسنت على المعالجة، لكن ها هي ذي تموت بعد أن استنزفت آخر قرش لدينا، قال الأب محتجاً زافراً أيضاً: طبيب، أدوية، عقاقير، لولا ما أنفقناه عليها لكان باستطاعتنا الآن شراء البذار.‏

-كل سنة هكذا، نعجز عن شراء البذار، عاد فهد يعلق بشيء من سخرية مكتومة.‏

-وكل سنة سيكون هناك سبب يجعلنا نعجز عن شراء البذار، تابع ديبو بغير سخرية.‏

-إذن لماذا نحفر ونعزق؟ تساءلت شاهة أخيراً وكأنها وجدت الحجة المفحمة التي تكفل لها الهروب من العمل. هزت الأم رأسها وهي تنقل ناظريها بين أولادها، متحسرة. هوذا ما يزعجها في أولادها: كره العمل.. حب البطالة وكأنهم لا يصلحون لشيء.‏

-حقاً، لماذا نشتغل إذا لم يكن لدينا بذار؟ أعاد فهد سؤال أخته مؤكداً على عدم الجدوى من كل ما بذلوه أو يبذلونه من جهد.‏

-يفرجها الله يا بني.. بدأت الأم بنبرة من لوم.‏

-كيف يفرجها، قاطع الولد أمه بمزيج من السخرية والجد، والأبواب كلها مسدودة؟.. صدقيني يا أمي.. مذ وعيت الدنيا لم أر باباً أمامنا إلا مسدوداً.. لقد كتب عليينا الفقر نرسف في أغلاله إلى الأبد.‏

-فال الله ولا فالك.. ردت الأم ببقية التفاؤل في نبرتها. البذار سيأتي. أبوك دائماً يدبر رأسه..‏

-لكنه هذه المرة لن يستطيع، تدخلت شاهة وكلها أمل ألا يستطيع.. أنت تعلمين أنه طرق الكثير من الأبواب لكن لا أحد لأحد.‏

-بل هناك.. ردت الأم بحزم وعتب، ثم التفتت إلى زوجها حاثة إياه، قل شيئاً.. تكلم يا رجل؟‏

-ماذا أقول وأنا لا أملك قرشاً وليس في يدي حيلة؟‏

-اذهب إلى أخيك .‏

-مصباح!! رد دون أن يرفع رأسه..‏

-أجل.. اذهب إليه.. اطلب منه وما أحسبه يخجلك..‏

اكتفى الزوج بالتنهد دون أن يرد، علامة الحيرة والتردد.‏

"آه لو كنت كأخيك!! لو تعلمت مثله فقط "راحت الزوجة تفكر وهي تستعرض في سرها البون الشاسع بين الأخوين: الثريا والثرى. كيف ذلك يا رب؟ "مائة مرة تساءلت، لماذا خلقهما الله هكذا مختلفين؟ ولماذا كان نصيبها الأسوأ؟ مصباح يصغره بخمسة عشر شهراً مع ذلك يبدو الآن وكأنه يصغره بخمسة عشر عاماً. أهي الثياب الجيدة؟ الأناقة؟ الهيبة والمكانة؟ أم ديبو لا تعلم، كل ما تعلمه أن مصباح يبدو وكأن الزمن لا يمر عليه وإن مر فلكي يزيده رونقاً وجمالاً. شعره الكث ما يزال أسود ليس فيه شائبة من بياض. أسنانه قوية تطحن الصخر، قوامه ممشوق، ملؤه الصحة والعافية.. أهو العلم يفعل ذلك؟ النجاح؟ أم ديبو واثقة أن أخاه سيفو لو تعلم مثله وأصبح موظفاً معتبراً، راتبه يكفيه ويفيض لما حل به ما حل: أسنانه كانت ستظل دون أن يضطر لقلع نصفها تاركاً فمه نصف مغارة. شعره لم يكن ليشيب، فالكل يقول إن الشيب رفيق الهم... والهموم هي وحدها التي أشعلت الشيب في رأس سيفو، كذلك كان قوامه سيظل منتصباً، وهامته مرتفعة، بالتأكيد ما كان سيضطر لاحنائهما لولا الفقر والكد.‏

طوال النهار وتحت الشمس الحارقة أو البرد القارس يعمل زوجها ولا يكسب ما يقيم الأود، بينما يذهب مصباح بضع ساعات إلى جامعته، منظفاً مقطفاً، كما يقولون، يأمر وينهى، وفي آخر الشهر يعدون له أوراقاً خضراء كبيرة من أمهات المئات "هنيئاً لك يا أم مأمون، عشت مدللة مستتة، لا ينقصك شيء".‏

وأطلقت أم ديبو آهة فيها من الحرارة ما يكفي لإذابة جبل من الجليد.‏

كانت قد عادت إلى المطبخ تجلي وتغسل، تاركة الأسرة تعمل في الحقل.. جسمها، هي الأخرى، لم يعد صالحاً للعمل في الزراعة. فهي، التي كانت رشيقة كعود البان أيام زمان، راحت تمتلئ بطناً بعد بطن، تتكدس تحت جلدها الشحوم طبقة فوق طبقة حتى بات يصعب عليها أن تحفر أو تعزق" حسبك شغل البيت" قال لها أبو ديبو ذات يوم وهو يسمعها تلهث منقطعة الأنفاس. بعضهم قال لها "اشتغلي تذب شحومك". بعضهم الآخر نصحها بماذا؟ "شيء يسمونه الر.. الروجـ.. يم" أجابت نفسها وهي تعصر دماغها عصراً قبل أن تتذكر الكلمة "قال.. عليك أن تأكلي وفق نظام معين.. وبكميات معينة لا تزيد غراماً ولا تنقص" راحت تفكر هازة رأسها عجباً.." لكن كيف للمرء أن يأكل كذلك؟ كيف له أن يتحكم بطعامه وشرابه..؟ الصحة أعطية من الله.. الشهية هبة أخرى منه.. فكيف يرد المرء أعطية الله وهبته؟" وراحت أم ديبو تستعرض صديقاتها النحيفات الناحلات كعيدان الحطب، مؤكدة في سرها أنهن يأكلن أكثر منها لكنهن لا يسمن أما هي فتسمن.. لو اكتفت بالماء والهواء لسمنت.. هي ذي الهبة الإلهية فكيف يريدونها أن تتنكر لها وتمتنع عن أكل القشدة والزبدة، الأرز والبرغل؟‏

سلفتها أم مأمون، تلك المعروقة الناحلة، ما زالت معروقة ناحلة مذ تزوجت.. هي.. حاولت، بالتأكيد، أن تسمن لكنها لم تستطع". ظلت عوجا وأم كراع والسمن فيها ضاع" رددت أم ديبو لنفسها بنوع من الشماتة وهي تتصور سلفتها المعروقة الناحلة، بعدئذ تابعت تمتمتها وكأنها تخاطب أبا مأمون أمامها "يا زوجها لا تفرح، ترى عصوصها تجرح ورجليها للطبل تصلح" لكنها هذه المرة لم تستطع منع نفسها من التبسم.‏

فجأة نظرت حولها متفحصة فانكتمت ابتسامتها ليحل محلها التجهم. مطبخها العتيق متقشر الجدران، كالح السقف ذكرها بمطبخ أم مأمون.. البون شاسع بينهما مثلما هو شاسع بين صاحبيهما!! لكأن المطبخ تجسيد لصاحبه، "آه.. فقط لو تعلّم أبو ديبو، إذن لكان كأبي مأمون وكان لي مطبخ زوجته!! "قالت لنفسها متنهدة من جديد وهي تستعرض ما جره عليها كسل سيفو في صغره وهروبه من المدرسة ولحاقه برفاق السوء. "رغم أنني كنت أصغر منه "قال لها مصباح ذات مرة" إلا أنني بذلت المستحيل لكي نظل معاً، نجد وندرس.. كان بودي أن ننجح معاً ونصعد معاً، لكنه كان يكره الدرس بل حتى القراءة والكتابة لم يتقنهما إلا بالويل" ولم يملك أبو ديبو إذ ذاك رداً على أخيه.‏

"هي ذي النتيجة إذن يا سيفو!! الفقر، المهانة، التعب، الشقاء وفوق هذا وذاك لا تجد ثمن البذار لارضك!! الفشل يجر الفشل كما يجر القمل الصئبان.. أخفقت أنت فأخفق أولادك.. نجح هو فنجح أولاده أيضاً!! مأمون مهندس، أمين في بلاد "برا" يدرس مالا يعلم إلا الله والآن يقبض الأموال الطائلة كل شهر.. نور تدرس الطب.. وحدهم أولادي خائبون ضائعون لم يطلع منهم شيء"..‏

وصلت أميرة مسرعة لاهثة، العرق يتصبب منها فحدجتها الأم بنظرة فيها الكثير من الحسرة.‏

-أميرة!! ابنتي!! قالت وهي تقترب منها بسيما الرجاء، ستتابعين دراستك حتى النهاية، أليس كذلك؟‏

-أتابع دراستي؟ أتريدين ذلك؟ أعادت أميرة السؤال وهي في أشد حالات الاستغراب.‏

-أجل.. أريده..‏

-لكن.. كنت تريدينني أن أتزوج؟‏



-الآن أريدك أن تتخذي عدتك للحياة..تكافحي الفقر فلا تعيشي بائسة مثل أمك..‏

-هذا ما كنت أقوله لك.. في كل مرة يأتيني خاطب كنت أضطر لخوض معركة معك.. فما الذي جرى؟ كيف تغيرت؟‏

-الحياة تغير يا بنتي.. هذه المصائب المتتالية.. ثم انك ذكية نشيطة واعية، لا تقلين بشيء عن أولاد عمك، فلماذا لا تكونين مثلهم؟‏

-الحمد لله أنك اقتنعت.. قالت أميرة شبه هاتفة وهي تسرع فرحة إلى غرفتها تخلع اللباس العسكري الذي كان ملطخاً ببقع الدهان. لقد أرغمتها المدربة على الإمساك طوال ساعات التدريب بالفرشاة وعلبة الدهان كي تدهن حجارة الأرصفة. هي لا تعلم لماذا يرغمونها على دهن الحجارة وكنس الطرق ولملمة الأوساخ من هنا وهناك، بل لا تعلم لماذا يعاملونهم تلك المعاملة المهينة، لكأنهم يتعمدون تشريبهم الذل، تمريغهم بالوحل. مع ذلك لم تكن تستطيع الشكوى والاحتجاج، فأمها ستستغل ذلك على الفور.‏

"لكن ما لها اليوم أمي؟" تساءلت أميرة وهي تغسل يديها ووجهها علها تطفئ شيئاً من حر آب اللهاب. "لا تقلين بشيء عن أولاد عمك، فلماذا لا تكونين مثلهم؟ "رددت كلام أمها متفكرة مستغربة، فذلك السؤال هو نفسه الذي كان يحفزها دائماً لأن تجد وتدرس، لكن كيف فكرت به أمها أخيراً؟ في المطبخ، وهما تعدان طعام الغداء، تكلمت الأم لابنتها طويلاً عن المعاناة التي تكابدها مع والدها وقد ساءت بهما الحال وقل المال.. بينما يعيش عمها خير عيش:‏

-هو في الذروة وأبوك في الحضيض، قالت لها أخيراً، والسبب العلم.. إذن العلم ليس نوراً وحسب بل هو عيش رغيد أيضاً..‏

ولم تملك أميرة إلا أن تندفع إلى أمها مقبلة متعلقة بعنقها، فرحاً وامتناناً. مذ عرفت الدنيا كان عمها مصباح مثلها الأعلى. لم يكن أحب على قلبها من أن تذهب إلى بيته تقضي النهار مع أسرته. هناك تشعر أنها في الوسط الذي يمكنها أن تنمو وتترعرع. العم ذكي هادئ، رقيق طيب، يخيل إليها أنه يعرف كل شيء، حتى لتعجب في سرها، من أين أتى بكل تلك المعرفة، فيما يفتقر أبوها إلى الحد الأدنى منها. أميرة تحمل إليه كل ما يعترضها في الحياة، وهو يجيب، يستمع إليها، يحاورها وبكل حنو يرعى الغرسة الصغيرة التي تحتاج للكثير من الماء والغذاء. "ماذا تريدين أن تكوني؟ "سألها وهي صغيرة ربما لم تتجاوز العاشرة من العمر. "أستاذة مثلك" أجابته "لكن الكيمياء خطرة يا عمي.. فيها تفاعلات وانفجارات.." لكن فيها خلق.. صنع الحياة من جديد.. ألم تقل لي أنت ذلك؟" ورد عليها العم الفرح بابنة أخيه النبيهة التي تحفظ كل ما يقول: "صحيح.. هي خلق وصنع.. لكنك بنت.. أخشى عليها خشونة الكيمياء وخطورتها".‏

"لكنك دائماً تقول البنت كالصبي.. لا فرق إلا في الدأب والمثابرة.. ألم تقل لي إن مدام كوري هي التي اكتشفت الذرة، سابقة زوجها لأنها كانت أكثر منه دأباً ومثابرة؟"، "أجل.. قلت ذلك". تابع معها الحوار وهو أشد فرحاً" والآن أكرره أيضاً، البنت كالصبي سواء بسواء لهما الحقوق ذاتها وعليهما الواجبات ذاتها.. مع ذلك.. أود لو أراك طبيبة تساعدين المرضى وتسهمين في الحفاظ على الحياة". منذئذ بات الطب هدفها، راحت أحلامها كلها تتركز على تلك الصورة" مريلة بيضاء وسماعة تتدلى من الأذنين"، فنفرت الأم أكثر وثقل الهم على الأب أكثر.." من أين آتي لك بالمال والطب بحاجة إلى كثير من الفتّ؟" كان الأب يحتج، أما الأم فقد كانت تحتج، لكن لسبب آخر..." ذلك يعني سنين طويلة من الدراسة ثم العنوسة والبوار.. فمن يتزوج ابنة خمس وعشرين؟" لكن أبناء عمها كانوا يشجعونها كأبيهم. مأمون لا ينفك يزين لهاذلك الحلم، يلمح من حين إلى حين، يلقي بنكتة يشد بها من أزر طبيبة المستقبل وتطلعاتها الطموحة. ابنة عمها نور التي تحبها أكثر من أختها شاهة تدفع بها حافزة محمسة: "إذا غامرت في شرف مروم.. فلا ترض بما دون النجوم".‏

بل حتى أمين أرسل لها من فرنسا أكثر من رسالة يؤكد فيها على أن تجد وتدرس.. أولاد عمها أقرب إلى قلبها من أخوتها أنفسهم، لهذا لا تقضي عطلة إلا بينهم، ولا فرصة متاحة إلا وتستغلها للذهاب إليهم.. الفرصة المتاحة تستغلها أميرة في الحال. فعلى الغداء أعادت الأم طرح المسألة:‏

-اسمع مني.. اذهب إلى أخيك، سيعطيك ثمن البذار.. وللتو ثنى دياب وفهد كلاهما على الاقتراح، فيما اندفعت أميرة بحماسة تشدد الضغط:‏

-أجل، أبي.. الحل عند عمي.. اذهب إليه وأنا أذهب معك.. أميرة تشعر أن ثمة شيئاً خفياً في نفس والدها يجعله ينأى عن أخيه.. أهي الغيرة؟ أهو الحسد؟ هي لا تدري، لكنها تراه في عينيه، تلمسه في نبرة صوته، في بعض تلميحاته، تصريحاته، ألا يقولون: كل ذي نعمة محسود؟ عمها ذو نعمة، إذن لم لا يشعر أخوه تجاهه بالغيرة والحسد؟‏

ربما كان العم نفسه يرى ذلك في عيني أخيه، لكنه يتجاهله، يغض الطرف دائماً ويسعى لمرضاة أخيه، بل لا يعمل إلا ما هو في مصلحته...‏

حين أراد مصباح أن يتزوج، مضى إلى المهاجرين، اشترى قطعة أرض، بنى عليها بيتاً ثم غادر بيت العائلة دون أن يأخذ ملعقة من إرث أبيه. الحاكورة ذات الدونمات الخمسة قدمها لأخيه "هي حلال زلال لك، وكل ما تحتاجه من مال.. أنا بخدمتك.. فقط أريدك أن تقف على رجليك". "وأنت؟" تدخل بعض الناس "حقك ينبغي أن تأخذه. ارث أبيك يجب ألا تتنازل عنه". "لا، حقي أخذته علماً وشهادات، وإرث أبي ما حصلت عليه من وظيفة ومكانة"، قال لهم ثم حسم الأمر فمضى إلى السجل العقاري يتنازل لأخيه عن كل ما تركه والدهما.‏

رغم هذا، كان ثمة ذلك الشيء الذي يقلق أميرة، تلك النظرة في عيني أبيها. ترى أو يكره والدها أن يكون بحاجة لأخيه؟ أو يزعجه أن يجد نفسه مضطراً لأن يسأله الرأي ؟ أو يضايقه ما يوجهه له من ملاحظات، هو الأكثر فهماً وعلماً؟ أميرة لا تدري.. كل ما تدريه أن أباها كثيراً ما وجد نفسه بحاجة إلى عمها، مثلما هي حاله اليوم. إنه الخيار الوحيد أمامه أو ظلت الأرض بلا بذار.‏

صعوداً قطع الأب وابنته الطريق، فقاسيون الذي يشمخ عالياً، يبدأ من سرير بردى ليرتفع بأناة.. سفحه منبسط، متدرج.. حيث يزيد وتورا يسقيان البساتين التي تكسوه ثياباً خضراء زاهية، والحواكير التي تزود أهل دمشق بخضرواتهم وفواكههم. من الحواكير إلى المهاجرين الطريق مستقيم والمسافة قصيرة، تقطعها أميرة وأبوها على مهل، تسأله ويجيب، وفي ذهنها أن تسبر حقيقة النفور الخفي الأبدي الذي يسم العلاقة بين الأخوين، لكن الكبار يكتمون.. يكبسون الملح على جروحهم غالباً ويكتمون. ماذا؟ أيقول لها إنه لا يشعر تجاه أخيه الصغير إلا بالخوف والتهيب؟ أيبوح لها برغبته في أن يمارس دور الكبير المرشد، الآمر الناهي، لكن الظروف لم تتح له ذلك فقلبت الأمور رأساً على عقب جاعلة الصغير كبيراً والكبير صغيراً؟.‏

في فيه ماء، هو يعلم ذلك ويعلم أنه عاجز عن البوح بما في نفسه من كل موجع. الطبيعة وهبت أخاه الذكاء، فصرفه معرفة وعلماً ثم مالاً ونجاحاً.. وليس عليه، هو الذي حرمته الطبيعة من تلك الهبة إلا أن يغبطه.. لو لم يكن مصباح أخاه لحسده، لكن، والحال كذلك، عليه أن يغبطه، أن يفرح له، ضارباً عرض الحائط بكل ما يعتمل في داخله من مشاعر وأحاسيس.‏

مصباح هو المتعلم المستنير ذو الرأي السديد دائماً وعليه هو سيف الدين الذي يكبره بخمسة عشر شهراً أن يذهب إليه، يرجوه نصيحته، يطلب رأيه، إذ ما من مرة اختلفا في الرأي إلا وتبين أن مصباحاً على حق وهو على باطل. سيفو يعرف ذلك. عرفه يوم اختلفا بشأن ديبو.. قال له مصباح "ديبو غير صالح للدراسة، علمه مهنة من المهن" لكن أبا ديبو غض النظر مهملاً كلام أخيه إلى أن سيق ديبو إلى الخدمة الالزامية دون أن يدرس أو يكسب مهنة.. مع أخيه فهد عادت الكرة ثانية..." الولد شديد المراهقة بحاجة إلى ضبط وربط.. اضبطه يا أخي أوضاع". لكن أبا ديبو لا يكره كالضبط والربط.. هو غارق في هموم الحياة، مشاكل العيش فأنّى له أن يضبط ويربط؟ ومن جديد ضاع ولد آخر، فكيف لا يشعر مصباح بالقهر من أخيه ولا يشعر سيفو بالذنب؟ كيف لا يشعران بالبعاد وهما عاجزان عن الاتفاق على شيء.‏

مع ذلك، كان كلا الأخوين حريصاً على إبقاء شعرة معاوية بينهما، إن شدها الأول أرخاها الآخر وإن شدها الآخر أرخاها الأول. مصباح يشفق على سيف الدين وهو يعلم أنه لا يعرف غير ذلك، وما من تصرف إلا حسب المعرفة، فيما لا يملك سيف الدين إلا أن يعترف بنبل أخيه، سخائه وكرمه، سعة معرفته وسداد رأيه‏

-أهلاً.. أهلاً.. هتف مصباح، وهو يرحب بأخيه آخذاً إياه بالأحضان لاثماً أميرة على وجنتيها، سائراً بها إلى غرفة الضيوف وذراعه على كتفها. لقد كان على يقين أنها هي التي جاءت بأبيها، وأن ثمة حاجة ملحة أرغمته على المجيء.. الأسرة كلها تحلقت حول الضيفين، تبودلت الأحاديث، قدمت الحلويات والقهوة قبل أن تمضي نور بأميرة إلى غرفتها، ثم يخرج مأمون إلى عمل عاجل وتنصرف الأم إلى المطبخ فيتاح لمصباح أن يسأل أخاه:‏

-خير.. أبا دياب، بدأ مصباح، الحريص دائماً على أن يبدي لأخيه كل احترام، كأني أرى في فمك كلاماً..‏

-آه!! بدأ سيف الدين متنهداً ثم تعثر لكأنه خجل من أن يطلب.‏

-قل.. أخي أبا دياب! ما حاجتك؟ حثه الأخ الأصغر وهو يعلم حرج أخيه الكبير في أن يجد نفسه دائماً بحاجة إليه..‏

-اللعنة على الحاجة!! "اللعنة على الفقر، ماذا أفعل وسوء الحظ لا يفارقني لكأنه التوأم الذي ولد معي؟ ثم روى لأخيه قصته مع طاعون البقر، النفقات، الأدوية ومصابه فوق كل ذلك بأغلى ما يملك.‏

-لا عليك، أبا دياب.. مر ونحن نلبي.. قال مصباح بعد أن أبدى كل تعاطف وأسف على مصابه.‏

-أريد.. ثمن البذار.. أجاب بقدر غير قليل من عي وتلعثم، ثم نظر إلى عيني أخيه. رأى فيهما تساؤلاً فتابع: خمسمائة ليرة..‏

-تكرم عينك، أجاب الأخ مبتسماً مربتاً كتف أخيه. فقط خمسمائة ليرة.. بسيطة يا رجل!! غداً أقبض راتبي وغداً يكون المبلغ عندك.‏

-كـ.. كـ.. كم.. أشكرك أبا مأمون!! إنك تزيح هماً كبيراً عن قلبي..‏

-ولو يا رجل.. نحن أخوة.. والأخوة لبعضهم.. ألم يعلمنا هكذا المرحوم؟ بهزة من رأسه أجاب أبو دياب مطلقاً تنهيدة حرى تحمل أكثر من معنى ثم قال وهو يهم بالنهوض:‏

-الآن.. مصباح.. تسمح لي!!‏

-لا والله لا تذهب، رد الأخ وهو يضع يده على كتف أخيه، مثبتاً إياه، من زمن طويل لم نرك.. هي فرصة.. نتعشى.. نسهر..‏

كان الأخوان نادراً ما يلتقيان: عيد، مناسبة عائلية، موت.. ذلك وحده ما كان يجمعهما.‏

-لا.. لا بد من ذهابنا.. وشكراً على كرمك، قال الأخ الكبير وهو يشير إلى صحون الحلويات والقهوة.‏

-أميرة.. أميرة.. نادى ابنته بصوت عال وهو يقف..‏

-أميرة تبقى عندي الليلة، قالت نور وهي تسرع مع ابنة عمها إلى حيث الوالدان.‏

-لا، نور، تدخلت أميرة قبل أن يتسنى لأبيها الإجابة، لدي معسكر وعلي أن أكون الساعة السابعة هناك.‏

-لماذا؟ لكي تكنسي الشوارع؟ سألت نور ضاحكة، وقد تذكرت ما كانوا يفعلونه بهم في مثل تلك المعسكرات.‏

-بل أدهن الأرصفة، ردت الفتاة هازة رأسها هزة الاحتجاج.‏

-وماذا في ذلك؟ تدخل العم، دهن الأرصفة، كنس الشوارع، تنظيف الغابات.. كلها أهداف نبيلة تخدم المجتمع وتفيد الوطن.‏

-أبي.. ماذا تقول؟ ردت نور بنبرة امتعاض.‏

-أقول.. هذا كله يجعل المدينة أجمل.. البيئة أنظف.. صدقوني.. نحن شعب يعاني من التلوث.. القذارة.. كل شيء هنا قذر، مدننا، قرانا.. لو ذهب واحدكم إلى أوروبا ورأى مدنها سيعلم ما أقصد.. هناك الشوارع نظيفة، الأرصفة كالمرايا، الحدائق كالبيوت، لا ورقة، لا نفاية، فلماذا لا نكون نظيفين؟ لماذا لا نكون ضد القذارة؟‏

-صحيح، قالت أميرة وقد تحمست فجأة، عمي على حق.. النظافة حاجة أساسية من حاجات المجتمع.. قبل أيام أخذونا إلى غابة صنوبر ملأى بالأوساخ والحشائش اليابسة.. قشة كبريت تشعلها كلها.. لا تتصوروا كم شعرت بالفرح حين نظفناها، فأصبحت لا تشوهها أوساخ ولا تهددها قشة كبريت.. حينذاك علمت كم هي مفيدة تلك المعسكرات!!.‏

-صحيح.. صحيح.. قالت نور.. هي مفيدة ولا شك.. أهدافها نبيلة ولا شك... لكنهم غالباً ما يحرفونها عن غاياتها وأهدافها..‏

-الانحراف!! تدخل والدها شبه مقاطع، هي ذي المسألة دائماً، الانحراف عن الأهداف!! يضع المفكرون النظريات ويسن المشرعون القوانين ثم يأتي من يطبق فيكون الانحراف وتكون الكارثة..‏

-هذا فقط ما أردت قوله أبي.. هناك انحراف.. تناقض بين الغاية من المعسكر والممارسات التي تطبق فيه..‏

-إيه.. رد الأب مقاطعاً، هو ذا سبب بلاء الإنسان.. التناقض بين النظرية والتطبيق.. الاختلاف بين الفكر والممارسة.. إنها المشكلة الدائمة عبر التاريخ.. فكل شيء فكر فيه الإنسان ووضع نظريات له إنما كان لخير الإنسان وفائدة المجتمع، لكن يأتي من ينفذ فيقلب كل شيء على عقب.. خذوا الدولة مثلاً.. حين فكر الإنسان بإيجاد الدولة كانت غايته إقامة المؤسسة التي تحمي الإنسان، توفر له الأمن والسلام، تحافظ على كرامته، حريته، حقوقه، لكن ماذا كانت النتيجة؟ الدولة باتت أداة قهر للإنسان، قمع لحرياته، نهب لحقوقه، تسلط على مقدراته..‏

خذوا مثالاً آخر: الدين..‏

-لا.. لا.. مصباح.. قاطعه الأخ الأكبر بنبرة احتجاج تلبس لبوس المزاح، لا تنسَ اننا واقفون، وإن بدأت الكلام عن الدين أبقيتنا حتى منتصف الليل.. وأنا تـ .. عـ.. عـ... تعبان... مصباح.. كل النهار وأنا أعمل، اسمح لي..‏

سمح له مصباح على مضض، فقد كان يسره كثيراً أن يكمل حديثه، علَّ ابنة أخيه تجد بعض الأجوبة على أسئلة كثيرة باتت تشغلها، هي البرعم الذي بدأ يتفتح للحياة فتصدمه كالعادة الحياة.‏

عند الباب دس العم ورقة مالية في يد ابنة أخيه، عادة اعتادها مذ كانت أميرة طفلة، فيشد بها أواصر المحبة والود بينهما. رأى والدها ذلك فغض النظر.‏

"في البيت ساستدينها منها، "قال في سره وهو يضع يده في جيبه الخاوية..‏

-آه.. ليتنا مكثنا أكثر قليلاً. كم هو شيق حديث عمي!! كم أحب أن أسمعه!! قالت أميرة فرد والدها بامتعاض..‏

-اسمعي ما شئت.. لكن لا تدعيه يحدثك عن الدين.. أتسمعين أميرة؟ أنا لا أحب تفلسفه عن الدين.‏

-لكنه لا يتفسلف أبي، إنه..‏

-بل هو و.. و.. متفلسف.. قاطعها الأب على عجل.. وكل متفلسف زنديق.. وكل زنديق في النار..‏

صرامة نبرته وحسم أحكامه جعلا أميرة تنكتم وكثيراً ما كانت تؤثر معه الانكتام. هو لا يغريها بالحوار، عكس عمها ذاك الذي تتمنى أن تحادثه ساعات. مع أبيها تجد الهامش ضيقاً للحركة، الأبواب مغلقة، آراؤه فجة، بل حتى طريقة نطقه لا تعجبها.. "ماذا يدعونها، تلك العاهة التي يعاني منها!؟ العي!؟ أجل! إنه العي، "تسأل أميرة نفسها ثم تجيبها راخية العنان لقدميها وهما ينزلان سفح قاسيون المنحدر إثر الأب المطرق إلى الأرض، المسرع نزولاً وقد تحرر جسده من ثقل الجاذبية وعناء الطلوع..‏

لعل تلك العاهة هي التي دفعت الأخ الأكبر لقطع حديث الأخ الأصغر، كما هي عادته دائماً، فمصباح طلق اللسان، عذب الحديث، أما سيف الدين فيقف أحياناً في منتصف الكلمة كبارودة استعصت رصاصتها، لا تتقدم ولا تتأخر.. هذا العي هو الذي جعله يترك المدرسة مبكراً، كما شرح لها عمها ذات مرة، فالتلاميذ كانوا يقلدونه كلما أراد أن يتكلم. وفي كل مناسبة يسخرون منه.مما جعله لا يجرؤ على الكلام. هو لا يدري كيف يقف الحرف في فمه لكأنه يلتصق بسقف حلقه أو يعلق بحبل من حباله الصوتية. يفتح فمه طلباً للحرف لكن الحرف يخذله.. يتعثر هناك بين حنجرته وشفتيه، واقعاً أرضاً منقلباً بطناً لظهر ثم لا يخرج من الشفتين إلا وهو منقطع الأنفاس.‏

عقدة حقيقية كان ذلك العي.. عقدة تعتمل في داخله من كل طلق اللسان، فصيح الكلام.. ومصباح أشد الناس فصاحة وطلاقة. أميرة تعرف ذلك، وتتمنى لو كان والدها كأخيه.. "إذن كم كان سيوفر علي إزعاجات ومضايقات!!" فهي لا تنسى أبداً كم كان والدها يكره أن تتفاصح. كم كان ينهرها كلما قالت خطبة أو ألقت شعراً!! بل هو يكره أن.. تذهب إلى المدرسة، يريدها أن تتزوج تماماً كما كانت أمها تريد ذلك!! حين جاءها أول خاطب، وكانت ما تزال في الصف الثامن، كاد أن يعطيه قولاً بل ويقرأ فاتحتها، لكنها شبت كالفرس الجموح، جارية إلى بيت المهاجرين حيث أطلقت نفير الحرب، زاجة آل عمها جميعاً في المعركة وحققت بذلك النصر..‏

عند ساحة المالكي دارا مع الرصيف، وتمثال الرجل، الذي اغتيل في ملعب للرياضة، يطل من علٍ واقفاً مطرقاً يتفكر. حدقت أميرة إليه طويلاً وهي تدور مع الساحة نحو الغرب." كم في وقفته من عزم وتصميم، كبر وعنفوان!! إنها عظمة الخلود، عزة الرجولة!!" وتمنت أميرة لو تلحق يوماً بركب العظماء الخالدين. بعد الساحة، كان عليهما أن يتجها إلى قلب الحواكير، عبر الطريق الترابي الذي لم يعرف اسفلتاً ولا أرصفة. هو هكذا مذ وجدت الخليقة، تراب موحل في الشتاء ومغبر في الصيف، على كلا جانبيه شجيرات الصبار، وقد أينعت ثمارها مصفرة، شائكة تهدد كل من يمد لها يداً...‏

حواكير الخضار، بساتين الأشجار كلها تغطي الأمداء الواسعة غربي المالكي، فيما ينحدر ذلك الشارع العريض من الأعلى إلى الأسفل نهراً صخاباً، مياهه شلالات من السيارات تشكل حداً فاصلاً بين ما صنعه الإنسان وما أبدعه الله!! بين الشرق حيث الأبنية والكتل الاسمنتية، وبين الغرب حيث الطبيعة أشجاراً وبساتين.‏

-أبا ديبو تأخرت كثيراً. لماذا حتى الآن؟ تلقته أم ديبو عند الباب سائلة مستغربة.‏

-اسألي ابنتك، رد الأب مشيراً إلى أميرة التي قفزت سريعاً إلى غرفتها، ربما لكي تخفف ما تحمله من أخبار ترويها لأختها هناك. اتركيها مع عمها تتحدث ليل نهار لا تشبع.. لكن خير، ماذا هناك؟‏

-أف.. أبو عمرو.. صاحب المكتب العقاري جاء وسأل عنك، أجابت أم ديبو بكثير من التبرم والضيق..‏

-أبو عمرو يمر دائماً ويسأل دائماً، فلماذا هذه المرة تتأففين؟‏

-هذه المرة لم يمر وحسب.. بل تربص.. انتظر ساعة.. يريد أن يراك... بأي شكل يريد أن يراك..‏

-غداً أراه.. قال الرجل وهو يدخل إلى الغرفة الترابية ذات السقف الخشبي، ملقياً بنفسه على أقرب حشية.‏

-لكنه قال: يريدك اليوم لأمر عاجل، وفور وصولك يجب أن تذهب إليه.‏

-أذهب إليه!؟ لأمر عاجل؟ لا.. لا.. اليوم غابت الشمس، قال وهو يخلع حذاءه وينظر إلى الغرب، حيث كانت الشمس تغطس شيئاً فشيئاً في خضم المغيب.‏

-لكنه ملح.. يريدك أن تذهب إليه حتى ولو كان منتصف الليل. عادت المرأة لتؤكد بنبرة صوتها وحركات يديها، ما حاول أبو عمرو فعله أكثر من مرة قبل أن يغادر البيت. يا له من ثقيل الظل!! تابعت الزوجة مفسرة.. ساعة وهو جالس وديبو يكاد ينفجر غيظاً، ثم قهوة، شاي، زهورات.. لكأن كرشه لا يطيق القعود عاطلاً عن العمل..‏

-وأين ديبو الآن؟ سأل الأب وهو يتلفت عبر الباب يمنة وشمالا..‏

-لم يصدق أن الدلال غادر حتى لحق به..‏

-وذاك الدلال، ألم يقل ماذا يريد؟ ألم تفهمي منه شيئاً؟‏

-وهل يفهم أحد منه شيئاً، هذا السري المتآمر..؟ لكن لا بد أن وراءه شيئاً فهو متلهف قلق.. متشوق لرؤيتك.. على استعداد لأن ينتظرك حتى آخر الليل.. بل لم نتخلص منه إلا بعد أن وعدناه وعداً قاطعاً، بأن تذهب أنت إليه.‏

-أذهب إليه.. أذهب إليه، لكن دعيني أرتح قليلاً.. قال بكثير من الامتعاض فالنزول من المهاجرين إلى بيته كان متعباً لكن الصعود مرة ثانية سيكون متعباً أكثر.‏

لحظات تمدد أبو ديبو وهو يتساءل ما عساه يريد سمسار العقارات ذاك؟ هو ابن حارته وصاحبه لكنه لم يكن يثق به كثيراً، بل هو لا يثق بأي سمسار.. ألا يبيع أولئك السماسرة أمهاتهم من أجل حفنة من الليرات؟ ألم يحاول صاحبه وابن حارته أكثر من مرة أن يدفعه لبيع حاكورته بأبخس الأثمان!؟ هم أناس لا أمان لهم.. يريدون من الآخرين أن يبيعوا ويشتروا فقط كي يربحوا هم.. عملية البيع والشراء وحدها هي التي تهمهم ليكونوا كالمنشار، ينشر في الذهاب وينشر في الإياب..‏

على أفكاره تلك غفا الرجل، رأته امرأته فلوحت برأسها "ربما لن يفيق حتى الصباح!! هذا الرجل لا يحب كالنوم!! دعه ينم عشر ساعات متصلات لا ينقلب عن جنبه.. "فكرت المرأة وهي تغادر إلى الحظيرة. لكن خلافاً لتوقعاتها، لم ينطلق أذان العشاء حتى فتح الرجل عينيه، وكأنما هو إنذار خاص موجه إليه. تمطى قليلاً ثم تلفت حوله بكثير من الحيرة.. ثمة ما ينبغي أن يفعله لكن ما هو يا ترى؟ كان النوم قد أنساه.‏

-هه.. لم تقل لي.. كيف كانت رحلتك إلى أخيك؟ حنطة أم شعير؟ سألته امرأته وهي تدخل الغرفة بكثير من الانزعاج والضيق، فقد أنستها زيارة السمسار الزيارة الأخرى.‏

-حنطة على شعير.. قال متثائباً وشيء ما يغريه بأن يعاود النوم.‏

-لم أفهم.. كيف؟ أعطاك أم لم يعطك؟‏

-وعدني بأن يعطيني غدا.‏

-إذن حنطة، ردت وهي تتنفس الصعداء.. ثم تابعت بنبرة الاطمئنان: مصباح إذا وعد وفى.‏



-أرجو ذلك.. قال وكأنما يعني العكس.. لكن.. الآن.. أنا جائع.. هاتي لنا العشاء..‏

-لا.. لا.. ردت بمزيج من الأمر والرجاء، اذهب أولاً إلى الرجل.. اعرف ما يريده منك على الأقل.. حينذاك، تذكر ما كان قد أنساه النوم. حدق إليها قليلاً فرآها أكثر إصراراً من أن تقبل مناقشة. مد يده إلى حذائه، لبسه ثم سوى سرواله الأسود وقميصه ومضى دون أن ينبس ببنت شفة.‏

في المكتب كان شوكة الداهوك بانتظاره.. صلعته تلمع عرقاً، كرشه يفيض على ذراعي الكرسي من اليمين والشمال وعيناه تلمعان دهاء ومكرا. رآه فهب ملء طوله، آخذاً إياه بالأحضان:‏

-أين أنت يا رجل؟ بادره لائماً مقرعاً. كدت أعود إليك مرة ثانية..‏

-خير أبا عمرو، قل لي ماذا هناك؟ سأله القادم الجديد وقد راوده إحساس بأن هناك أمراً خارقاً للعادة.‏

-اجلس.. اجلس أولاً، قال شوكة الداهوك الذي كان قد أضواه الانتظار، وحين جلس الرجل على الديوان الجلدي الأسود جلس إلى جانبه، كتفه إلى كتفه وذراعه بذراعه.. صداقة حميمة لم تعرف الحميمية مثيلاً لها. أنت تعلم، تابع السمسار الداهية الذي لا يعرف لسانه العي ولا دماغه الكسل. أنت رفيقي وابن حارتي ومصلحتك مصلحتي.‏

-ط. ط. بعاً أعـ عرف.. بدأ أبو ديبو الذي داهمه العي مباشرة فتوقف عند الطاء والعين كلتيهما، لكن ماذا هناك؟‏

-صفقة.. صفقة العمر أبا دياب، رد السمسار معظماً صاحبه، فلم يقل له أبا ديبو.. كما هي عادته..‏

-لا. لا تقل لي أن هـ.. هناك واحداً يريد أن يشتري حاكورتي؟‏

رد محتجاً نافراً وهو يتذكر المرات العديدة التي حاول فيها ذلك السمسار أن يقنعه بالتخلي عن ملكيته، مورد رزقه الوحيد.‏

-لكن هذه المرة صفقة لم تكن تحلم بها..‏

-هه.. كم يدفع بها؟ عشرة آلاف؟ سأل بمزيج من النفور والاستهزاء كأنما ينتقم بذلك من عروض السمسار السابقة، حين كان ثمن الدونم الواحد لايزيد عن ألفي ليرة..‏

-بل أكثر.. أكثر بكثير، رد السمسار بما يشبه الهمس، غامزاً، ضاحكاً، وكأن السر الذي يحمله أعظم من أن يفشى..‏

-أكثر بكثير!؟ كم..؟ قل. عاد الرجل يسأل وقد بات على ثقة من أن العرض مغرٍ كثيراً..‏

-مائة ألف، رد السمسار وهو يتلفت حوله تلفت الماكر الذي يحاذر أن تسمعه حتى الجدران.‏

-يعني الدونم بعشرين ألفاً؟ سأل الفلاح المتعب وقد أثير فضوله فجأة..‏

-لا.. لا.. أبا دياب، رد السمسار وكله أمل في أن يبهر الرجل تماماً. بعدئذ رفع سبابته بإشارة الواحد، ثم تابع بنبرة التوكيد: الدونم بمائة ألف.. المائة ألف للدونم الواحد.. منبهتا، فتح الرجل فمه وعينيه. فالرقم أكبر بـ كثير مما كان يحلم به.‏

-أجل.. هي صفقة العمر يا صاحبي. خمسمائة ألف ليرة للحاكورة.. والرجل جاهز الآن لتوقيع العقد والدفع.. فماذا قلت؟‏

-مـ.. مـ.. ماذا قلت؟ أفلح أبو ديبو أخيراً في النطق رغم العي الذي أوقفه عند الميم، ذاك الحرف الذي يكرهه كثيراً.‏

-أجل.. ماذا قلت؟ موافق؟ حسن.. سأتصل به في الحال.. ودون أن ينتظر جواباً من صاحبه، أسرع السمسار الحاذق إلى الهاتف، دق رقماً ثم همس جملة وحيدة "تفضلوا سيدي، نحن جاهزون". ثم أغلق الهاتف وعاد إلى ابن حارته ماداً يده مهنئاً:‏

-مبروك أبا دياب.. ألف مبروك!‏

لكن فرحة السمسار، إلحاحه، سرعته في الاتصال والتهنئة، كل ذلك دق جرس انذار ما في رأس الرجل العيي الذي كانت الحياة، الفقر، الحاجة قد علمته الحذر والتروي... انكمش الرجل على نفسه وقد لمعت في رأسه فكرة.‏

-لكن قل لي أبا عمرو.. هل سيشتريها.. أرضاً زراعية أم عقارية؟ نطق أخيراً وهو لا يدري كيف لمعت الفكرة في رأسه..‏

وأسقط في يد السمسار.. سؤال لم يتوقعه قط.." إذن في رأس هذا الرجل دماغ يعمل.. لا تبن فقط، فماذا أقول له؟"‏

لحظات ظل محتاراً متردداً لا يدري أيكذب على صاحبه أم يصدقه؟ تلك اللحظات استغلها أبو ديبو في مراقبة صاحبه وكانت كافية لأن تجعله يدرك الحقيقة.‏

-إذن، صدر القرار بتنظيم المنطقة العقاري، تابع الرجل سؤاله هو الذي كان يعلم أن ذلك كان قيد البحث وأنه وحده ما يجعل لتلك الحاكورة مثل ذلك الثمن..‏

-أجل.. اليوم صدر.. رد السمسار أخيراً وقد تذكر المثل القائل: "إن كان الكذب ينجي فالصدق أنجى.." ولا أخفيك.. الشاري متعهد بناء كبير، سيحول حاكورتك إلى كتلة من الأبنية..‏

-إذن، ما الذي تقوله أبا عمرو؟ كيف تحكي بمائة وخمسمائة ألف؟ سأل الرجل وصدره يجيش فرحاً..‏

فالقرار الذي كان ينتظره بفارغ الصبر قد صدر.. والأمل كبير بأن يجعلها صفقة العمر حقاً.‏

-سأقنعه بأن يدفع لك مليونا.. رد السمسار مائلاً عليه شبه هامس، شبه غامز، ليثبت لابن حارته أن عواطفه معه وأنه لا يريد إلا مصلحته.‏

هذه القفزة جعلت قلب الرجل يقفز.. "إذن، هناك مجال واسع للمداورة والمناورة، "قال في سره وقد استيقظت في داخله روح التاجر الدمشقي التي لم تستيقظ من قبل. تلك الروح هي التي قادته في متاهة المساومة الطويلة ذات المسالك الوعرة المعقدة، فقد بدا له أن المتعهد قارون آخر يملك كنوز الذهب والفضة كلها وأنه والسمسار يريدان انتزاع الأرض منه بأبخس ثمن وأسرع وقت، مما زاده حرصاً على أرضه وتمسكاً بها. ذلك الحرص جعله يتبع تكتيكاً فريداً من نوعه. لم يطلب أبو دياب سعراً لأرضه ولم يحدد ثمناً، بل ترك للمتعهد ذلك.‏

-قل، كم تدفع؟ وكلما دفع مبلغاً قال أبو ديبو:‏

-لا.. قليل.. الأرض غالية يا رجل.. هي على كتف شارع المالكي.. وهي تساوي أكثر من ذلك، أخيراً قال المتعهد وقد نفد صبره:‏

-المتر بألف ليرة، ولا ليرة زيادة..‏

-يعني الدونم بمليون ليرة، وثب شوكة الداهوك بحماسة لا نظير لها ثم انكب عليه يكاد وجهه يلامس وجهه.. بع يا رجل.. هذه فرصة لا تعود مرة ثانية.. سعر خيالي لا يحلم به أحد..‏

فجأة أحس أبو ديبو بشيء يدفعه للوقوف.. البسمة تشق فمه حتى الاذنين ويده تمتد إلى يد المتعهد ولسانه ينطق:‏

-قد بعت.. مبروك عليك..‏

بعد ذاك كتبت أوراق ووقع عقد وتبودلت عناقات وقبلات. وحين عاد أبو ديبو إلى البيت كان يحمل بيده حقيبة أنيقة سوداء من ذلك النوع الذي يدعونه سمسو نايت جعلت امرأته تشهق:‏

-ما هذه؟ هتفت مشيرة إلى الحقيبة الأنيقة السوداء.‏

-حظينا بليلة القدر طلعت لنا ليلة القدر، انفجر الرجل فجأة وهو يصيح حاضناً الحقيبة بين ذراعيه ضاماً إياها إلى صدره.. دائراً حول نفسه كالدولاب..‏

-ما الذي تقوله يا رجل؟ أية ليلة قدر هذه؟‏

-خمسة ملايين.. أم ديبو.. صار لدينا خمسة ملايين.‏

-كيف؟ من أين؟ سألته فاغرة الفم، هو يدور وهي تحاول الإمساك به..‏

-الحاكورة!! بعت الحاكورة!! بخمسة ملايين!! خمسة ملايين!! هتف أخيراً وهو يفتح الحقيبة كاشفاً عن رزم من أوراق مالية راح يقذف بها فتتناثر هنا وهناك متطايرة إلى السقف، ساقطة على السرير، البساط، الكراسي، الأرض.. فيما المرأة تتلمس طرف السرير متداعية مسحورة.. وعبارة واحدة على شفتيها:‏

-أجل.. ليلة القدر!! هذه ليلة القدر!!‏











-2-‏

حين أفاقت أميرة كان يتملكها شعور حاد بأنها تأخرت عن معسكرها.. غسلت وجهها على عجل ثم أسرعت ترتدي ثيابها: تلك الثياب الخاكية اللون التي توحد بين الذكور والإناث لتصنع الجنس الواحد" أليس هو عصر ال
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://ikhlassnet.ibda3.org
 
ليلة القدر خير من ألف شهر
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
ikhlassnet :: أدب وشعر :: الروايات-
انتقل الى: